استراتيجية الحد من الوجود العسكري الأمريكي في الخارج: تخفيف الوجود وضمان الوصول


قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب ألفي جندي أمريكي من سوريا، فضلاً عن سحب سبعة آلاف جندي أمريكي من أفغانستان بما يعادل نصف الجنود الأمريكيين هناك، يثير الكثير من الجدل ليس فقط حول ما اتسم به هذان القراران من مفاجأة بل حول الهدف من ذلك التوجه وعما إذا كان توجها تكتيكيا أم استراتيجيا من شأنه ترتيب تداعيات على المدى البعيد في مناطق الصراع؟ ومع أن هذين القرارين يعدان تنفيذا لوعود انتخابية قطعها الرئيس ترامب على نفسه إبان حملة الانتخابات الرئاسية فإنه من المبكر للغاية القول بأن تلك التحولات في توجهات السياسة الدفاعية الأمريكية من شأنها أن تحدث فراغا استراتيجيا في مناطق الصراع المشار إليها أخذًا في الاعتبار ثلاثة أمور الأول: أن ذلك الانسحاب لا يعني انتهاء النفوذ الأمريكي في تلك المناطق، بل يمكن تفسيرها من منظور استراتيجية «تخفيف الوجود وضمان الوصول» ومضمونها أنه في حال مواجهة القوات الأمريكية مخاطر في الخارج فإن الإدارة الأمريكية تقوم بالحد من تلك القوات على الأرض إلا أن ذلك لا يعني ترك مناطق الصراعات بشكل كامل وإنما التمركز بالقرب منها ففي الوقت الذي أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا فإنها لا تزال موجودة بقوات في العراق قوامها 5200 جندي، صحيح أن الرئيس ترامب قال إن دور الولايات المتحدة كشرطي العالم قد «انتهى» وذلك إبان زيارته المفاجئة للجنود الأمريكيين في العراق في السادس والعشرين من ديسمبر 2018 إلا أنه استطرد قائلاً «إن العراق سيكون قاعدة لمراقبة سوريا» بما يعني أن تلك القوات بإمكانها التدخل في سوريا مجددًا حال اقتضت الضرورة ذلك، ولعل ما أشار إليه السيناتور الجمهوري لينزي جراهام بالقول «إن الرئيس ترامب تعهد بالبقاء في سوريا لإنهاء مهمة تدمير داعش» يؤكد أن الولايات المتحدة ستظل تؤدي دورًا مهما في التحالف الدولي لمحاربة ذلك التنظيم، والثاني: أن الولايات المتحدة الأمريكية بالنظر إلى دورها المحوري داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وفي ظل ظهور توجهات أوروبية من آن إلى آخر لتأسيس جيش أوروبي موحد بعيدًا عن مظلة الناتو فإن للولايات المتحدة مصلحة أكيدة في الإبقاء على ذلك التحالف الدفاعي الذي يعد الأقوى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، ومن ذلك استمرار العمل مع الناتو في أفغانستان والتنسيق في أماكن أخرى في العالم، بالإضافة إلى مسؤولية الولايات المتحدة عن ضمان أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط لحلفائها الأوروبيين، والثالث: في ظل احتدام الصراع الأمريكي- الروسي خاصة، والغربي- الروسي بوجه عام فإن الولايات المتحدة ليس من مصلحتها الانسحاب بشكل كامل من جميع مناطق الصراع.

اقرأ المزيد
الأرشيف
January 2019
S M T W T F S
« Dec    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031