ميثاق العمل الوطني: ربع قرن من صناعة التحول وصياغة المستقبل
في مسيرة الأمم، لا تُختزل اللحظات المفصلية في تواريخها، بل تُقاس بمدى قدرتها على إحداث تحوّل مستدام في الوعي الجمعي ومسار الدولة. وفي هذا الإطار، تبرز الذكرى الخامسة والعشرون لميثاق العمل الوطني بوصفها محطة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في مملكة البحرين، وأسهمت في إعادة تشكيل بنيتها السياسية والاجتماعية، ووضع الأسس المفاهيمية لمشروعها الوطني الحديث. فقد عبّر 98.4% من أبناء الوطن عن تأييدهم للميثاق، في استفتاء وطني جسّد حالة توافق مجتمعي نادرة، تجلّت كعقد سياسي جامع، رسّخ منطق الشراكة الوطنية، وأرسى رؤية مشتركة لمستقبل الدولة واستقرارها.
ومن رحم هذا التوافق، تبلور ميثاق العمل الوطني بوصفه المرجعية الحاكمة لمسار إصلاحي شامل، ارتكز على ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتوسيع فضاءات المشاركة المجتمعية. وقد أسهم هذا المسار في نقل العمل الوطني إلى مرحلة أكثر تنظيمًا واستدامة، وربط الاستقرار السياسي بالتنمية المؤسسية طويلة الأمد، بما رسّخ الحوكمة إطارًا ناظمًا لإدارة الشأن العام، وحدّد معالم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس من المسؤولية المتبادلة.
وفي هذا السياق، تبرز المنجزات المتراكمة في القطاعات الاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية، إلى جانب التقدم النوعي في تمكين المرأة والشباب، بوصفها مؤشرات عملية على فاعلية البيئة الإصلاحية التي أرسى الميثاق ركائزها. وقد أسهم ذلك في إطلاق الطاقات المجتمعية، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي، وبناء نموذج تنموي مرن، قادر على المواءمة بين الخصوصية الوطنية ومتطلبات الحداثة المتسارعة، بما عزّز هوية بحرينية منفتحة وواثقة، تستند إلى عمقها التاريخي، وتتفاعل مع التحولات العالمية دون الإخلال بثوابتها.
وامتدادًا لهذا النّسق الداخلي، تشكّلت التوجهات العامة للسياسة الخارجية لمملكة البحرين ضمن رؤية تقوم على السلام والحوار والتعاون الدولي، واحترام قواعد الشرعية الدولية. وقد تمثّل ذلك في الحضور البحريني المتقدّم إقليميًا ودوليًا، مع اضطلاع المملكة برئاسة المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 2026م، إلى جانب شغلها مقعدًا غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2026–2027م، بما يعكس مقاربة دبلوماسية رصينة، تركّز على بناء التوافق وتعزيز الاستقرار في بيئة إقليمية ودولية متغيّرة.
وفي هذا الإطار، يكتسب التزام مملكة البحرين – بدعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز السّلم الدولي – بُعدًا استراتيجيًا متجذّرًا في روح الميثاق، يقوم على اعتبار الدبلوماسية والحوار أدوات مركزية لإدارة التحديات، في نظام دولي يتسم بتزايد التعقيد وعدم اليقين. ومن هنا، برزت المنامة كمنصة للحوار والصوت العقلاني الذي يعكس مقاربة متزنة، تسهم في بناء جسور التفاهم، وتعزيز فرص التعايش، وتغليب منطق الحلول التوافقية على حساب الاستقطاب.
وتتجلّى أهمية ميثاق العمل الوطني اليوم بوصفه إطارًا وطنيًا موجّهًا لمسيرة الدولة، تتحدد قيمته في قدرته المستمرة على توجيه السياسات العامة، وضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وضمان استمرارية الإصلاح ضمن إطار من الاستقرار المؤسسي في بيئة متغيرة. وبعد خمسة وعشرين عامًا، تمثّل هذه الذكرى محطة لتجديد الالتزام بالمشروع الوطني بروح من المسؤولية والشراكة، بما يحفظ لمملكة البحرين موقعها كنموذج للاستقرار والتنمية المتوازنة في محيطها الإقليمي والدولي.
تسنيم عبدالله عيسى، باحث مساعد في إدارة الدراسات والبحوث، مركز “دراسات”
