قوة الأمن الغذائي البحريني أمام الحرب الإيرانية الراهنة

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / قوة الأمن الغذائي البحريني أمام الحرب الإيرانية الراهنة

في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة المرتبطة بالحرب الإيرانية والعدوان الغاشم المستمر على أراضي مملكة البحرين، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز والمجال الجوي على المستوى الإقليمي، يتساءل كثيرون عن مدى قدرة الأمن الغذائي البحريني على الصمود بقوة وعزم أمام هذه التحديات الجيوسياسية المتسارعة.

والحقيقة أن مملكة البحرين تبرز اليوم كنموذج مشرف للاستقرار والجاهزية في مجال الأمن الغذائي، رغم صعوبة الظروف الإقليمية الراهنة. فبفضل الرؤية الحكيمة والتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، تمتلك المملكة منظومة متكاملة ومحكمة، تضمن توافر السلع الغذائية الأساسية بكميات كافية وأسعار مستقرة، مهما اشتدت التحديات المحيطة.

فمنذ عام 2020م، أطلقت الحكومة الموقرة بمملكة البحرين بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي (2020-2030)، والتي تشكل خارطة طريق طموحة وشاملة لتعزيز الإنتاج المحلي. ترتكز هذه الاستراتيجية على محاور رئيسية تشمل دعم المزارعين مالياً وتدريبياً، وتبنّي التقنيات الزراعية الحديثة والمستدامة، وتطوير الإنتاج الزراعي والسمكي المحلي، وتوسيع الرقعة الخضراء، إلى جانب تنويع سلاسل التوريد وزيادة الاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية.

ورغم سرعة التطورات الإقليمية الحالية، تحتفظ الأسواق البحرينية بوفرة ملحوظة في السلع الغذائية، ولا توجد أي مؤشرات على نقص محتمل في الأساسيات. وبحسب أحدث البيانات من وزارة الصناعة والتجارة، يبقى المخزون الاستراتيجي آمناً وكافياً لتغطية احتياجات السوق المحلية لمدة ستة أشهر على الأقل، بل ويمتد إلى أشهر إضافية في بعض السلع، مع تعزيز مستمر لهذا المخزون بالتعاون الوثيق مع القطاع الخاص.

تعتمد المملكة على تنسيق دائم بين لجنة القطاع الغذائي والتجار، مع اجتماعات مكثفة لمراقبة التدفقات وضمان خلوها من العوائق. وفي الوقت ذاته، يشهد الإنتاج الزراعي المحلي ازدهاراً واضحاً في الموسم الحالي، مما يعزز توافر الخضروات والفواكه والمحاصيل الورقية ويساهم في استقرار الأسعار. كما تواصل الجهات الحكومية التعاون مع دول وشركات عالمية لتوفير بدائل عالية الجودة وواردات يومية منتظمة بدون عوائق أو انقطاع.

وقبل الختام، إذا قارنا تحدي الأمن الغذائي في فترة جائحة كوفيد-19 بالظروف الإقليمية الراهنة، نجد أن التحدي في زمن الجائحة كان أوسع نطاقاً وأشد تأثيراً، إذ تأثرت سلاسل التوريد العالمية بشكل شامل. أما اليوم، فتمتلك مملكة البحرين إنتاجاً محلياً أكبر مما كان عليه في الخمس سنوات السابقة، وسلاسل توريد أكثر أماناً بفضل الشراكات الدولية. ورغم إغلاق المجال الجوي ومضيق هرمز، تبقى الحدود البرية مفتوحة، مما يتيح استمرار تدفق الواردات دون عوائق كبيرة، فيما يظل المخزون الاستراتيجي صامداً لشهور طويلة مع تعويض مستمر لأي نقص.

وقد تتسبب التطورات الإقليمية في بعض المخاوف، ولكن الواقع يؤكد أن الحكومة الموقرة وضعت سيناريوهات طويلة الأمد لضمان استمرارية الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي. وهذا يعكس قوة اقتصاد المملكة وجاهزيتها المتقدمة لمواجهة التحديات. وبهذه الجهود المتكاملة بين الاستراتيجية الوطنية والإدارة اليومية الفعالة، تظل مملكة البحرين واحة أمن غذائي في المنطقة، قادرة على حماية مواطنيها ومقيميها، وضمان استدامة الحياة اليومية أمام التحديات الجيوسياسية المؤثرة على المنطقة.

علي فقيه، محلل في إدارة الدراسات والبحوث،

آخر تحديث : 10 مارس 2026