14 يومًا على العدوان الإيراني: إلى أي مدى استعدت مملكة البحرين لذلك؟
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية ترقبًا متصاعدًا لما قد تؤول إليه مسارات التوتر، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمالية التصعيد، إذ وظفت مملكة البحرين – إلى جانب بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية – جهودها الدبلوماسية نحو التهدئة وتغليب لغة الحوار، سعيًا إلى احتواء التوترات والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. غير أن تلك الجهود لم تحل دون أن تقابل مملكة البحرين ودول المجلس باعتداءات إيرانية سافرة بدءًا من صباح الثامن والعشرين من فبراير الماضي، الأمر الذي جعل من التساؤل حول مدى استعداد البحرين لهذه الأزمة حاضرًا في الأوساط المحلية.
وفي هذا السياق، فإن المتتبع لنهج مملكة البحرين في الحفاظ على أمنها الوطني يستطيع أن يرى بوضوح أنه نهج غير قائم على ردود فعل آنية فحسب، بل مبني على مجموعة من الركائز التي تراعي تطورات البيئة الأمنية المحيطة بالمملكة، والتي تتمثل في تطوير آليات الردع والدفاع بما يضمن حماية السيادة الوطنية، وتبني حراك دبلوماسي نشط يسهم في إعلاء صوت الاعتدال ويعزز من المكانة المتنامية للمملكة على الساحتين الإقليمية والدولية، إلى جانب رفع مستويات المرونة المؤسسية والمجتمعية في مواجهة الأزمات بما يعزز متانة الجبهة الداخلية. ومن خلال هذه الركائز مجتمعة، يمكن فهم الكيفية التي تسعى من خلالها المملكة إلى التعامل مع كافة أنماط التحديات، بالإضافة إلى التداعيات المرتبطة بالتصعيد في محيطها الإقليمي، والذي بلغ ذروته خلال الأسبوعين الماضيين عبر الاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.
فعلى صعيد الردع والدفاع، تبنت مملكة البحرين خلال العقد الأخير جملة من المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى رفع الجاهزية القتالية، والتي كان أبرزها مد منظومة الدفاع الجوي بصواريخ متطورة من نوع باتريوت، إذ لم يكن من المستغرب أن يسفر ذلك عن نجاحات ميدانية لافتة للقوات المسلحة البحرينية، تمثلت في نسبة عالية من الاعتراضات الناجحة للصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية منذ بدء العدوان. كما ترتبط هذه النجاحات بسياق أوسع من التعاون الإقليمي الوثيق، تحت مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي منذ أن وقعت دولها الأعضاء على اتفاقية الدفاع المشترك في المنامة في عام 2000، خطت خطوات لافتة في مسار التكامل الدفاعي بين الدول الأعضاء، وذلك عبر نقل المعرفة وتبادل الخبرات من خلال التمارين الدفاعية المشتركة والتي تواكب ما تشهده البيئة الأمنية لمجلس التعاون من تطورات.
وبالانتقال إلى جانب العلاقات الدولية، تجدر الإشارة إلى أن ما تتبناه السياسة الخارجية لمملكة البحرين من نهج متزن قائم على التأكيد على أهمية الالتزام بمبادئ القانون الدولي، والامتثال للشرعية الدولية، بما يرسي دعائم الأمن والاستقرار الدوليين، يأتي في سياق منضبط مع دور قيادي تضطلع به المملكة على المستوى الدبلوماسي لإدارة الأزمة التي تشهدها المنطقة بفعل الاعتداءات الإيرانية السافرة، والتي تأتي توازيًا مع ترؤس مملكة البحرين للدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بالإضافة إلى عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن كممثل عن المجموعة العربية، حيث تجلى هذا الدور القيادي من خلال تمرير مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2817، الذي قدمته مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية، والذي يدين العدوان الإيراني على دول المنطقة ويطالب إيران بالوقف الفوري للاعتداءات، إذ تكمن أهمية تمريره فيما يعكسه من إلزام أممي لإيران بالكف عن عدوانها على دول المنطقة من جهة، بالإضافة إلى ما يمثله من رفض دولي واسع لتلك الاعتداءات من جهة أخرى، وذلك أخذًا بعين الاعتبار رعاية 135 دولة لمشروع القرار رسميًا.
وفيما يتعلق بالمرونة المؤسسية وسرعة الاستجابة، يجدر تسليط الضوء على ما شهدته مملكة البحرين خلال العقد الأخير من تطوير مستمر للبنية التحتية السيبرانية من جهة، وإدارة الطوارئ المدنية من جهة أخرى. فخلال الأزمات، عادة ما تشهد الدول تصاعدًا للتهديدات السيبرانية التي باتت جزءًا لا يتجزأ من الحروب الحديثة، وذلك بالنظر إلى الدور الذي تؤديه كوسيلة قادرة على الإضرار بالبنى التحتية الحيوية وإشاعة الفوضى. وهنا برز الاهتمام المتواصل من قِبَل المملكة في تطوير بنيتها التحتية السيبرانية، كدلالة على إدراك عميق لما يمثله أمن المعلومات من أولوية استراتيجية، إذ أسفرت تلك الجهود عن تصنيف مملكة البحرين ضمن المجموعة الأولى والأعلى عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني العالمي، بتصنيف “الفئة الأولى-نموذجًا رائدًا” في مؤشر الأمن السيبراني العالمي (GCI) لعام 2024، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU). ومن جانب آخر، فقد أولت مملكة البحرين اهتمامًا بالغًا بتطوير خططها المتعلقة بإدارة الطوارئ المدنية، ومن ذلك تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة الطوارئ المدنية، التي تعنى بتشجيع الثقافة الوطنية للتوعية من المخاطر والحد منها، عبر خطط شاملة تضمن المرونة وسرعة الاستجابة، وهو الأمر الذي تبرهن على أرض الواقع من خلال التعامل الاحترافي والسريع مع الأضرار التي خلفها العدوان الإيراني على عدد من المنشآت في مملكة البحرين.
وبذلك، فإن الأزمة التي نشهدها حاليًا، رغم ما تعكسه من قابلية عالية للتصعيد في البيئة الأمنية، فإنها تُبرز في الوقت ذاته جهودًا وطنية مشهودة للحد من الآثار المرتبطة بها، حيث يتجلى نهج مملكة البحرين القائم على الموازنة بين إدارة المخاطر وتعزيز الاستقرار، عبر تحقيق التكامل الاستراتيجي بين جهاتها الوطنية من جهة، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
عبدالرحمن الفزيع، محلل أول