تداعيات الحرب الإيرانية على أسعار النفط وآثارها الاقتصادية دولياً
بعد أكثر من أسبوعين من استمرار الحرب الإيرانية، تفاقمت حالة عدم اليقين حول أسعار النفط والآثار الاقتصادية التي قد تسببها للاقتصاد العالمي. ففي 28 فبراير، ومع بدء عمليات الحرب بهدف شل منظومة اتخاذ القرار، قفزت أسعار النفط العالمية بنحو 12-13 في المئة في الساعات الأولى، ليتجاوز برميل الخام 82 دولاراً أمريكياً، ثم تجاوز حاجز الـ 100 دولار مع إغلاق مضيق هرمز، ما عطل الإمدادات التي تمر من خلاله. كما تم الإعلان عن حالة القوة القاهرة في عدد من الشركات البترولية في دول المنطقة بسبب التهديدات الإيرانية الغاشمة لمنشآت الطاقة. في ضوء الأحداث الجارية، إلى أي مدى قد تستمر الارتفاعات الحادة في أسعار النفط العالمية؟ وما هي التداعيات الاقتصادية لارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي؟
هناك العديد من الأسباب التي تزيد احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى حدود الـ 150 دولاراً أمريكياً بحسب جي بي مورغان. الأول: حالة عدم اليقين من نقص معروض النفط الخام بسبب الحرب الجارية، وعدم معرفة فترة إغلاق مضيق هرمز، ويمكن لحالة عدم اليقين وحدها أن ترفع أسعار النفط إلى مستويات تاريخية. الثاني: انخفاض إنتاج النفط في دول مجلس التعاون والعراق. فبحسب البيانات الرسمية، خفضت دول الخليج العربي والعراق إنتاجها النفطي بمقدار 6.7 مليون برميل يومياً، وهو ثلث إنتاجها الإجمالي بسبب تعطل الشحن في المضيق. فقد أعلن المسؤولون في العراق عن خفض الإنتاج بنسب كبيرة بلغت حوالي 60 في المئة، ليقل الإنتاج اليومي من 4.3 مليون برميل إلى حوالي 1.5 مليون برميل يومياً. كما خفضت المملكة العربية السعودية إنتاجها بما يتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل يومياً بعد أن كان الإنتاج يصل إلى قرابة 10.8 مليون برميل يومياً. أما دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، فقد خفض كلٌّ منهما الإنتاج النفطي بنسب تتراوح بين 20-25 في المئة، بما يعادل 500 إلى 800 ألف برميل للإمارات و500 ألف برميل للكويت. الثالث: العدوان الإيراني الغاشم على منشآت الطاقة في دول الخليج والعراق، والاستهداف المستمر والمتكرر لها.
وبدافع طرح بعض الحلول العملية لاستقرار أسعار الطاقة خلال الحرب، ولخفض شدة تداعياتها الاقتصادية على السوق العالمي، أعلنت 32 دولة عضو في وكالة الطاقة الدولية عن الإفراج عن ما يصل إلى 400 مليون برميل من النفط والمنتجات المكررة من احتياطياتها الاستراتيجية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ الوكالة. من جهة أخرى، رفعت الولايات المتحدة بشكل مؤقت العقوبات على شركات الطاقة الروسية لضمان استقرار أسعار الطاقة والسوق العالمي. ورغم هذه الحلول لكبح ارتفاع أسعار النفط، إلا أنها لن تستبدل الانخفاض العالمي للمعروض النفطي الذي يمر عبر مضيق هرمز ولا الإنتاج النفطي اليومي لدول المنطقة.
وفي خطوة غير متوقعة، أعلنت الإدارة الأمريكية عن شن هجمات على منشآت عسكرية في جزيرة خرج، علماً أن هناك منشآت نفطية يمر من خلالها حوالي 90-97 في المئة من صادرات النفط الإيرانية، وتعتبر الصين المستورد الرئيسي لنفطها. فإذا شنّت القوات الأمريكية هجمات عسكرية على منشآت الطاقة في الجزيرة، فقد يولد ذلك قفزات حادة في الأسعار قد تتجاوز الـ 150 دولاراً أمريكياً للبرميل، ما قد يسبب تضخماً في الأسعار وحالة من الفوضى في الاقتصاد العالمي. لكن هذا السيناريو مستبعد بسبب تداعياته الخطرة، كما يمكن لإيران أن ترد بشن هجمات عدوانية واسعة النطاق على منشآت النفط في الشرق الأوسط إذا نفذت الولايات المتحدة هذه الخطوة.
إذا ارتفعت أسعار النفط إلى 150 دولار أمريكي للبرميل، ستحدث مجموعة من التداعيات الخطرة على الاقتصاد العالمي. من جهة، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط عند سقف الـ 150 دولاراً أمريكياً إلى أزمة طاقة عالمية مشابهة لصدمات الطاقة التي حصلت في عام 1973م، والتي ارتفعت عندها أسعار الطاقة إلى 400 في المئة. ومن جهة أخرى، ستحدث موجة تضخم عالمية، ما قد يرفع أسعار السلع والخدمات ويقلّص القوة الشرائية والإنفاق الأسري بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل. ونتيجة لذلك، ستؤدي هذه التداعيات إلى تباطؤ النمو العالمي، مع احتمال دفع بعض الدول إلى حالة الركود، وقيام البنوك المركزية بخفض نسبة الفائدة للتعويض عن تداعيات ارتفاع أسعار النفط.
يبقى احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة ضئيل جداً، لأن التكاليف الاقتصادية والسياسية والإنسانية باهظة على الجميع: الولايات المتحدة تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتأثيره على المستهلكين قبل الانتخابات، والدول الأوروبية والآسيوية تعاني من أزمة طاقة تُعيد إحياء كوابيس السبعينيات، بينما إيران نفسها تتحمل خسائر هائلة في بنيتها التحتية وصادراتها. هذا الضغط المتبادل قد يدفع الأطراف – رغم التصعيد اللفظي والعسكري – إلى البحث عن مخرج سريع، ربما عبر إعلان “انتصار” أمريكي جزئي يتيح إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف التدفقات، أو عبر وساطة دولية تُنهي الصراع قبل أن يتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية شاملة.
علي إبراهيم مصطفى فقيه، محلل أول
