تماسك الشعوب الخليجية: عقيدة “الجسد الواحد” في مواجهة التهديدات
“في الأزمات الكبرى، لا تُختبر أصالة الأمم بقدرتها على تجنب الأزمات، بل بصلابة وقوفها كالبنيان المرصوص حين تشتد”؛ ومن هذا المنطلق الجوهري، تجلت صورة استثنائية من التلاحم الشعبي الخليجي ووحدة الصف، في مواجهة التهديدات السافرة والعدوان الإيراني الغاشم، الذي استهدف سيادة وأمن عدد من دول مجلس التعاون.
ورغم قسوة هذه الأحداث، لم تكن مجرد اختبار للمنظومات الدفاعية لدول مجلس التعاون، بل كانت استفتاءً حياً أثبت أن الخليج العربي ليس مجرد تكتل جغرافي أو سياسي عابر، بل هو منظومة عضوية مترابطة يجمعها تاريخ ممتد ومصير واحد، مما جعل الاستجابة للأزمة تتجاوز الأطر الرسمية لتستقر في عمق الوجدان الشعبي، الذي يرى في أي مساس بعاصمة خليجية تهديداً مباشراً لسكينة سائر العواصم.
ويتضح هذا الترابط العضوي في تلك اللحظات الحرجة التي تلت الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، حين غاب سؤال “ماذا حدث؟” ليحل محله النداء الوجداني “هل أنتم بخير؟”، في مشهد يختزل عقيدة أمنية شعبية عابرة للحدود، إذ تحولت المكالمات والرسائل بين أبناء المنطقة من مسقط إلى الكويت ومن المنامة إلى الرياض ومن أبوظبي إلى الدوحة إلى جسور من الطمأنينة والدعاء المشترك، ما أثبت حقيقة مؤكدة وهي أن محاولات بث الفرقة أو ترهيب الشعوب لم تؤدِّ إلا إلى تعزيز الشعور بوحدة المصير، فكل ضربة غادرة كانت تزيد من تماسك الجبهة الداخلية بدلاً من إضعافها، محوّلةً التهديد إلى فرصة لترسيخ الوعي الجمعي بالخطر المشترك.
ولا يمكن قراءة هذا التلاحم بمعزل عن المنظومة القيمية المتجذرة في الشخصية الخليجية، إذ استُحضِرَت قيم “الفزعة” والشهامة من موروثها التقليدي لتصبح أداة سيادية في إدارة الأزمات، فتعاملت دول وشعوب المجلس بروح “البيت الواحد” الذي يتداعى سائر أعضائه للنصرة والمؤازرة.
وقد تُرجم هذا المبدأ عملياً في التنسيق اللوجستي والدبلوماسي رفيع المستوى، إذ تكاملت الأدوار السيادية بانسجام تام؛ فبينما كان التحرك الدبلوماسي لمملكة البحرين في مجلس الأمن يرفع صوت الحق الخليجي دفاعاً عن السيادة، كانت المملكة العربية السعودية تضبط إيقاع المسارات اللوجستية وتؤمّن حركة التجارة والطاقة، في حين أدّت سلطنة عُمان دوراً محورياً في ضمان استمرارية سلاسل الإمداد، وغيرها من المواقف المشرفة لدول مجلس التعاون، كدليل على أن التضامن الخليجي هو ممارسة ميدانية فاعلة تتجاوز لغة الخطابات لتصيغ واقعاً أمنياً منيعاً.
هذا التكامل الرسمي قابله وعي شعبي منقطع النظير في إدارة الجبهة الداخلية، إذ أظهرت المجتمعات الخليجية نضجاً سياسياً كبيراً بالالتزام بالتعليمات الرسمية والهدوء الرصين، رغم طبيعة التهديدات القريبة من المناطق السكنية أو الحيوية، رافضةً الانجرار خلف حملات التضليل الإعلامي أو الإشاعات الساعية إلى زعزعة الثقة في المؤسسات الوطنية.
يؤكد هذا الثبات المجتمعي المقترن باليقظة الرسمية أن منظومة مجلس التعاون قد ارتقت لتكون حصناً جيوسياسياً قائماً على قاعدة ذهبية، مفادها أن “أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ”، لتبقى وحدة الصف هي صمام الأمان والدرع التي تتحطم عليها أوهام الهيمنة، وتثبت التجربة التاريخية أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمتلك من رصيد التضامن ما يجعله عصياً على الانكسار، وقادراً على تطويع الأزمات لتعزيز استقراره وبناء مستقبله الواعد.
