كيف يمكن لمنظمة التجارة العالمية المساعدة في نزع فتيل الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران
إن تداعيات الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عالمية وخطيرة في آن واحد، ولها عواقب فورية على أسواق الطاقة وتدفقات التجارة والاستقرار الاقتصادي. وهذا يفرض دوراً واضحاً على المنظمات الدولية، مثل منظمة التجارة العالمية (WTO)، للمساعدة في احتواء الاضطراب الاقتصادي وضبطه، على الرغم من أن الحل النهائي للصراع يقع على عاتق حكومات الأطراف المتحاربة.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، عُرفت باسم ”الحرب العظمى“ بسبب حجمها ودمارها غير المسبوقين. ومع ذلك، في غضون عقدين من الزمن، ظهر صراع أكثر تدميراً. في حين أن أسباب الحرب العالمية الأولى تكمن أساساً في النزعة العسكرية والقومية والتنافس الإمبراطوري، فإن الحرب العالمية الثانية تشكلت جزئياً بسبب التشرذم الاقتصادي. وعلى وجه الخصوص، أدت السياسات الحمائية التي تعتمد على إضعاف الجار، والتي تم تبنيها خلال فترة ما بين الحربين، إلى تعميق الضغوط الاقتصادية العالمية، وتضخيم التوترات الجيوسياسية، والمساهمة في الظروف التي دفعت دولاً مثل ألمانيا نحو التوسع العدواني.
بعد انتهاء الحرب في عام 1945، عمل المجتمع الدولي بجدية على إقامة هيكل مؤسسي يهدف إلى منع تفاقم النزاعات الاقتصادية لتتحول إلى مواجهات عسكرية. وكانت الركائز الأساسية لهذا النظام هي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وإلى جانب ذلك، كان هناك مسار موازٍ يركز على التجارة: بدءًا من الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) في عام 1947 وصولاً إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995. وقد صُمم هذا النظام صراحةً لضبط سلوك الدول، والحد من الإكراه الاقتصادي، وتوجيه النزاعات نحو عمليات قائمة على القواعد بدلاً من تصعيدها.
وقد عملت الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) ومنظمة التجارة العالمية (WTO) معاً على تقليل مخاطر الصراع من خلال توجيه النزاعات التجارية نحو آليات حل غير عنيفة وقائمة على القواعد. ومن الأمثلة البارزة على ذلك قضية الولايات المتحدة – حظر استيراد أنواع معينة من الروبيان ومنتجات الروبيان، حيث تم حل التوترات حول القيود البيئية المفروضة على الواردات من الدول الآسيوية من خلال التحكيم في منظمة التجارة العالمية والتعديلات السياساتية اللاحقة بدلاً من تصعيدها إلى مواجهة أوسع نطاقاً. وبشكل أعم، من خلال توفير إطار قانوني يمكن التنبؤ به ونظام موثوق لتسوية المنازعات، قيدت هذه المؤسسات قدرة الدول على اللجوء إلى الانتقام أو الإكراه من جانب واحد، مما ساعد على احتواء الخلافات التجارية قبل أن تتفجر في صراع جيوسياسي أوسع نطاقاً.
إن أسباب الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ليست اقتصادية في المقام الأول، لكن عواقبها تزداد اقتصاديةً بشكل متزايد – وهي التي تدفع إلى التصعيد. وقد استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل البنية التحتية للطاقة في إيران لممارسة الضغط، في حين ردت إيران بالمثل باستهداف أصول الطاقة في الخليج العربي. والأهم من ذلك، أن إيران تقيد فعلياً المرور عبر مضيق هرمز، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية وزيادة خطر حدوث ركود حاد وطويل الأمد في الاقتصاد العالمي.
لم تُصمم منظمة التجارة العالمية لحل النزاعات العسكرية، كما أن إجراءاتها الرسمية ليست سريعة ولا قابلة للتنفيذ المباشر في أزمة من هذا النوع – لا سيما عندما تتذرع الدول باستثناءات تتعلق بالأمن القومي. ومع ذلك، فإن هذا لا يجعلها غير ذات صلة. تكمن قيمتها الحقيقية في قدرتها على تنظيم وتنسيق الاستجابة الاقتصادية لأعضائها، وتوفير إطار قائم على القواعد يمكن للدول من خلاله الاستجابة بشكل جماعي للاضطرابات التجارية النظامية دون الانزلاق إلى انتقام غير منسق.
على الرغم من أن بعض الدول المتضررة قد تنظر إلى منظمة التجارة العالمية كوسيلة لمحاسبة إيران على تقييد المرور عبر مضيق هرمز، فإن دور المنظمة هو بالضرورة دور غير مباشر. إيران ليست عضواً كاملاً في منظمة التجارة العالمية، وبالتالي فهي لا تخضع لنظام تسوية المنازعات الخاص بها، كما أن القيود المفروضة على ممر بحري استراتيجي تقع في المقام الأول ضمن نطاق القانون البحري وقانون الأمن.
ومع ذلك، فإن هذا لا يجعل منظمة التجارة العالمية عديمة الأهمية. بل إنه يغير وظيفتها: فبدلاً من الفصل في سلوك إيران بشكل مباشر، توفر المنظمة إطاراً يمكن لأعضائها من خلاله تنسيق استجابتهم الاقتصادية. من الناحية العملية، قد يشمل ذلك الإخطار المشترك وتبرير التدابير التجارية الطارئة بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية، ومواءمة القيود المفروضة على الصادرات الحساسة، مثل الوقود المكرر أو التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج، واستخدام لجان ومجالس منظمة التجارة العالمية لضمان الشفافية والاتساق في سياسات الدول – كما شوهد خلال جائحة كوفيد-19، عندما استخدم الأعضاء إجراءات منظمة التجارة العالمية لإدارة القيود الواسعة النطاق المفروضة على تصدير المنتجات الطبية والغذائية. من خلال دمج هذه الإجراءات في إطار عمل متعدد الأطراف، يمكن للدول الأعضاء ممارسة الضغط على إيران بطريقة منسقة ومستمرة، مع الحد من مخاطر الطعون القانونية أو التشتت فيما بينها.
كما تلعب منظمة التجارة العالمية دوراً حاسماً في إدارة العواقب النظامية الأوسع نطاقاً لمثل هذه الصدمة. ففي بيئة تجارية تتدهور بسرعة، تصبح حالة عدم اليقين بحد ذاتها قوة مزعزعة للاستقرار، حيث تتفاعل الحكومات والشركات مع المعلومات غير الكاملة بشأن اضطرابات الإمدادات والتغيرات في السياسات. وهنا تكتسب وظائف الشفافية والرصد التي تضطلع بها منظمة التجارة العالمية أهمية مركزية: فمن خلال متطلبات الإخطار، والرقابة التي تمارسها اللجان، وتبادل المعلومات بانتظام، توفر المنظمة رؤية واضحة لإجراءات الأعضاء ونواياهم. وهذا يقلل من عدم اليقين، ويخفف من حدة الاستجابات المدفوعة بالذعر، ويساعد على ترسيخ التوقعات بين الاقتصادات التجارية الكبرى. ومن خلال استقرار البيئة المعلوماتية، تحد منظمة التجارة العالمية من خطر تصاعد الأزمة إلى انهيار أوسع للنظام التجاري العالمي، مما يضمن أن تظل الاستجابات مدروسة بدلاً من أن تكون رد فعلية.
في نهاية المطاف، لا تستطيع منظمة التجارة العالمية التوسط لإبرام وقف لإطلاق النار أو إعادة صياغة البنية الأمنية في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن أهميتها تكمن في مكان آخر. فمن خلال توفير إطار عمل قائم على القواعد للعمل الجماعي، تتيح المنظمة للاقتصادات الكبرى في العالم تنسيق استجابتها للاضطرابات – من خلال ضبط سلوكها الداخلي مع ممارسة ضغط اقتصادي مستمر على الصعيد الخارجي. في صراع يتميز بتسليح تدفقات الطاقة، فإن هذه القدرة ليست تقنية فحسب، بل استراتيجية أيضاً. إذا تم الاستفادة منها بفعالية، يمكن لمنظمة التجارة العالمية أن تضمن أن يكون الرد على الاضطرابات متسقاً وذا تأثير، مما يرفع التكاليف الاقتصادية للتصعيد المستمر، مع الحفاظ على سلامة النظام التجاري العالمي. وبذلك، تساعد المنظمة في ضمان بقاء أسس التجارة العالمية سليمة بمجرد أن يهدأ الصراع.
ملاحظة: تمت ترجمة هذه المقالة تلقائيًا، والمقالة الكاملة متاحة باللغة الإنجليزية.
د.عمر أحمد يوسف العبيدلي، مدير إدارة الدراسات والبحوث
