قمة جدة التشاورية: نحو عقيدة خليجية شاملة للردع والتكامل الاستراتيجي
جسّدت قمة جدة التشاورية لقادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية – التي انعقدت مؤخراً في دورتها التاسعة عشرة، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – ترسيخاً لنهج خليجي أكثر عمقاً، يتجاوز أطر التنسيق السياسي التقليدي نحو بلورة عقيدة شاملة تقوم على “الردع والتكامل الاستراتيجي”. وقد جاء انعقاد القمة في ظروف إقليمية بالغة الحساسية لتضع محددات واضحة للتعامل مع التصعيد في المنطقة، مع التركيز على تنسيق المواقف المشتركة بين دول مجلس التعاون والأردن تجاه التهديدات الأمنية المباشرة.
وتبرز القيمة المضافة لهذا اللقاء في صياغة موقف موحد يتجاوز مجرد الإدانة للاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت المنشآت المدنية، ليصل إلى إعلان “أزمة ثقة حادة” تتطلب من طهران مبادرات جادة وملموسة لإعادة بناء الجسور. وفي هذا السياق، جاء تصريح معالي السيد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليؤكد “أن هذه الاعتداءات الإيرانية الغادرة قد أدت إلى فقدان ثقة دول المجلس بإيران بشكل حاد، وهو ما يتطلب من إيران بالمبادرة ببذل الجهود الجادة لإعادة بناء الثقة”، معيداً التأكيد على الحق الأصيل لدول المجلس في الدفاع عن سيادتها ومقدّراتها بموجب المواثيق الدولية واتفاقيات الدفاع المشترك.
وفي سياق تعزيز منظومة الأمن الجماعي، أثبتت التجربة الميدانية كفاءة استثنائية للقوات المسلحة الخليجية، التي نجحت في تحييد أكثر من 95% من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران خلال الحرب الأخيرة، مما يعكس نضجاً في الجاهزية العسكرية والاحترافية القتالية. هذا النجاح دفع القادة نحو توجيه الأمانة العامة بضرورة الإسراع في استكمال مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، وتكثيف التكامل العسكري كركيزة أساسية لحماية المكتسبات الوطنية. ويمتد هذا المفهوم الأمني ليشمل حماية الممرات المائية الدولية، وتحديداً مضيق هرمز، إذ أعلنت القمة رفضاً قاطعاً لأي إجراءات غير قانونية تعرقل الملاحة أو تفرض رسوماً غير شرعية، مع التشديد على ضرورة استعادة الوضع القانوني والملاحي للمضيق كما كان عليه قبل تاريخ 28 فبراير 2026م، لضمان استقرار تدفقات الطاقة العالمية.
وعلى المسار الاقتصادي واللوجستي، تبنّت القمة رؤية استباقية تهدف إلى تحصين دول مجلس التعاون ضد تقلّبات سلاسل الإمداد والاضطرابات الجيوسياسية عبر تسريع المشاريع التكاملية الكبرى. ويتجلّى ذلك في التوجيهات المباشرة لاستكمال متطلّبات مشروع سكة الحديد الخليجية، والبدء الفعلي بإنشاء شبكة أنابيب لنقل النفط والغاز توفر بدائل تصديرية آمنة، جنباً إلى جنب مع مشاريع الربط المائي والكهربائي الشاملة. كما تضمّن هذا التوجّه دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي الموحد، وهو ما يعكس استراتيجية “الاقتصاد المقاوم للصدمات”، التي تضمن استدامة الموارد الأساسية وتدفق الخدمات اللوجستية بكفاءة عالية حتى في أصعب الظروف الأمنية، مما يعزز من مرونة الدول الأعضاء وقدرتها على تجاوز الأزمات بحكمة واقتدار.
لقد برهنت الأزمة الراهنة على نجاعة الرؤية التكاملية لدول مجلس التعاون، إذ أظهرت الحكمة في إدارة المواقف والسرعة في ترميم البنية التحتية المتضررة قدرةً عالية على احتواء المخاطر وتأمين سلاسل التوريد. ويمثّل هذا النُّضْج رصيداً تراكمياً يثبت أن حماية المكتسبات الوطنية هي الأساس في بناء كيان خليجي صلب قادر على صون أمن شعوبه وأراضيه. كما يعزز هذا التماسك من قدرة دول المجلس على بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع القوى الدولية، ترتكز أساساً على تغليب المصالح الخليجية المشتركة أولاً، وضمان أن يكون التعاون الدولي رافداً يدعم الاستقرار والازدهار الإقليمي.
ختاماً، عكست مخرجات قمة جدة إرادةً سياسية راسخة لتكثيف التنسيق الهادف إلى احتواء التداعيات الأمنية والاقتصادية، مع استثمار الظروف الراهنة كمنطلق لتعزيز الاعتماد على الذات، وتطوير آليات الدفاع والعمل الاقتصادي المشترك لضمان الاستقرار الشامل. وبينما تدعم دول مجلس التعاون المسارات الدبلوماسية والوساطات الدولية القائمة، فإنها تترك الباب موارباً أمام لغة العقل، إذ تظل كافة الملفات والقضايا العالقة قابلة لإعادة التقييم والمراجعة في حال وُجِدَت إرادة حقيقية للتعاون المتبادل القائم على احترام السيادة. إن امتلاك المنظومة الخليجية لزمام المبادرة الميدانية والسياسية يمثّل اليوم الضمانة الأكيدة لترسيخ الهدوء في المنطقة وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
تسنيم عبدالله عيسى إبراهيم ، مساعد باحث بإدارة الدراسات والبحوث، مركز “دراسات”