ربع ألفية من الولايات المتحدة، ونصف قرن من الشراكة: رسم خريطة العلاقات البحرينية–الأمريكية في الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / ربع ألفية من الولايات المتحدة، ونصف قرن من الشراكة: رسم خريطة العلاقات البحرينية–الأمريكية في الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة

بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2026، تبرز فرصة مناسبة للتأمل في واحدة من أكثر العلاقات الثنائية استدامةً وتطوراً على المستوى المؤسسي التي تحتفظ بها الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي، وهي شراكتها مع مملكة البحرين. فعلى الرغم من أن العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين أُقيمت عام 1971، فإن جذور التواصل بينهما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، لتشمل أكثر من قرن من الروابط المتراكمة في المجالات الدينية والاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية. واليوم، تستند هذه العلاقة إلى بنية مؤسسية متينة تضم الوجود المتقدم للأسطول الأمريكي الخامس، واتفاقية التجارة الحرة الثنائية، وتصنيف البحرين كحليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والحوار الاستراتيجي البحريني–الأمريكي، إضافة إلى اتفاقية التكامل الأمني الشامل والازدهار (C-SIPA) الموقعة عام 2023. وقد أسهمت هذه الركائز مجتمعة في تحويل الشراكة إلى واحدة من أوثق وأشمل العلاقات التي تربط واشنطن بدولة في الشرق الأوسط. ومع احتفال الولايات المتحدة بمرور قرنين ونصف على تأسيسها، يوفّر تطور شراكتها مع البحرين نموذجاً مهماً لفهم التحولات التي شهدها التعاون الخليجي–الأمريكي.

تسبق بدايات الانخراط الأمريكي في البحرين إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بأكثر من ثمانية عقود. ويُرجع المؤرخون أول تعبير مؤسسي لهذه العلاقة إلى عام 1889، عندما أسس المبشرون الأمريكيون مستشفى الإرسالية الأمريكية في المنامة خلال عهد المغفور له الشيخ عيسى بن علي آل خليفة. ومنذ ذلك الحين، واصل المستشفى عمله دون انقطاع، ليغدو رمزاً دائماً للعلاقات التاريخية التي تجمع شعبي البلدين. أما البعد الاستراتيجي للعلاقة فقد تبلور لاحقاً؛ ففي عام 1947 أنشأت البحرية الأمريكية وجوداً محدوداً في الجزيرة، وهو الوجود الذي تطور تدريجياً ليصبح حجر الأساس للتمركز البحري الأمريكي في الخليج العربي.

ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1971، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة. فقد اعترفت الولايات المتحدة بمملكة البحرين في أغسطس من ذلك العام، وافتتحت سفارتها في المنامة بعد ذلك بوقت قصير، فيما افتتحت البحرين سفارتها في واشنطن عام 1977. وخلال تلك المرحلة المبكرة، شهدت العلاقات تقدماً مطرداً، حيث أسهم تنامي التعاون السياسي والأمني في وضع الأسس لشراكة استراتيجية أوسع مع تطور البيئة الأمنية الإقليمية في العقود التالية.

شكّل تحرير دولة الكويت عام 1991 نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقات الثنائية، إذ انتقلت الشراكة من إطارها الهادئ نسبياً إلى مستوى من التعاون العملياتي الوثيق. فقد شارك طيارون بحرينيون بصورة مباشرة في عمليات التحالف الدولي، كما قدمت المملكة دعماً لوجستياً مهماً للجهود متعددة الجنسيات. وفي أكتوبر 1991، وقّعت الحكومتان اتفاقية التعاون الدفاعي التي أتاحت للقوات الأمريكية استخدام المنشآت العسكرية البحرينية وسمحت بتمركز مسبق للمعدات العسكرية الأمريكية. وأرست الاتفاقية لاحقاً مكانة البحرين كدولة مضيفة للقيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية والأسطول الأمريكي الخامس، مما عزز دورها بوصفها أحد أبرز الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة في الخليج. كما شهد الشهر ذاته الزيارة الرسمية الثانية لرئيس دولة بحريني إلى واشنطن، حين التقى المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بالرئيس جورج بوش الأب. وخلال بقية ذلك العقد، واصلت البحرين دعم العمليات البحرية متعددة الجنسيات، مما عزز واحدة من أوثق العلاقات الدفاعية الأمريكية في المنطقة.

وشهدت السنوات الأولى من الألفية الجديدة توسعاً سريعاً في الإطار المؤسسي للشراكة. ففي عام 2002، منحت الولايات المتحدة البحرين صفة حليف رئيسي من خارج الناتو، الأمر الذي فتح آفاقاً أوسع للتعاون الدفاعي والأمني. كما قام جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي تولى مقاليد الحكم عام 1999، بزيارات رسمية إلى واشنطن في أعوام 2001 و2003 و2004، حيث استقبله الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش.

وسارت العلاقات الاقتصادية بالتوازي مع هذا التقارب السياسي والأمني. ففي سبتمبر 2004، وقّعت البحرين والولايات المتحدة اتفاقية التجارة الحرة، لتصبح المملكة أول دولة خليجية وثالث دولة عربية تبرم مثل هذه الاتفاقية مع واشنطن. وبعد مصادقة الكونغرس الأمريكي عليها في ديسمبر 2005، دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في الأول من أغسطس 2006. وبعد عامين، أصبح الرئيس جورج دبليو بوش أول رئيس أمريكي يمارس مهامه يزور البحرين، قبل أن يرد جلالة الملك حمد الزيارة لاحقاً في العام نفسه. كما شاركت البحرين خلال هذه الفترة في عمليات التحالف في أفغانستان والعراق، ما أكد أن الشراكة تجاوزت الإطار الدبلوماسي لتشمل تعاوناً عسكرياً مستداماً.

ورغم الاضطرابات الإقليمية الكبيرة التي شهدها عقد 2010، ظلت الركائز الأساسية للعلاقة مستقرة بدرجة لافتة. فقد واصلت البحرين استضافة الأسطول الأمريكي الخامس، وحافظت على وضعها كحليف رئيسي من خارج الناتو، كما شاركت في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. وتُوج هذا المسار بمحطة دبلوماسية مهمة أخرى في سبتمبر 2020، عندما وقّعت البحرين اتفاقيات إبراهيم في البيت الأبيض، فاتحةً بذلك فصلاً جديداً في الدبلوماسية الإقليمية المدعومة أمريكياً، ومؤكدةً التزامها بالاستقرار الإقليمي والحوار.

أما السنوات التي أعقبت عام 2020 فقد شهدت بلوغ العلاقة الثنائية أكثر مراحلها تطوراً على المستوى المؤسسي. ففي ذلك العام، أسس البلدان الحوار الاستراتيجي البحريني–الأمريكي كآلية دائمة لتنسيق التعاون في القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية والتعليمية والإقليمية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحوار أحد أهم القنوات المؤسسية الموجهة للعلاقات الثنائية، حيث انعقدت الجولة الخامسة منه في المنامة بتاريخ 26 يناير 2026، بالتزامن مع عام الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.

وجاءت محطة بارزة أخرى في 13 سبتمبر 2023، عندما وقّعت البحرين والولايات المتحدة اتفاقية التكامل الأمني الشامل والازدهار (C-SIPA)، التي تُعد أوسع إطار ثنائي أبرمته الولايات المتحدة مع شريك خليجي. وبينما أكدت الاتفاقية مجدداً مركزية التعاون الدفاعي، فإنها وسعت نطاق الشراكة بشكل كبير ليشمل التنمية الاقتصادية، والتكنولوجيا، والعلوم، والاستثمار، وأمن الطاقة، والبنية التحتية الحيوية، والتعاون التجاري.

كما واصل التعاون الأمني تعمقه. ففي ديسمبر 2023، انضمت البحرين إلى عملية «حارس الازدهار» (Prosperity Guardian) التي تقودها الولايات المتحدة، مساهمةً في الجهود متعددة الجنسيات لحماية حرية الملاحة وتأمين حركة الشحن الدولي في البحر الأحمر في مواجهة الهجمات الحوثية. وفي الوقت ذاته، استمر التعاون الاقتصادي في التوسع، حيث وافق بنك التصدير والاستيراد الأمريكي على ضمان قرض بقيمة 500 مليون دولار أمريكي لدعم مشروعات تنفذها شركة بابكو إنرجيز. وبحلول عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي نحو 2.8 مليار دولار أمريكي، أي ما يقارب أربعة أضعاف مستواه خلال السنة الأولى لتطبيق اتفاقية التجارة الحرة.

وظل التواصل السياسي رفيع المستوى نشطاً بالقدر نفسه. ففي يوليو 2025، زار صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، واشنطن، حيث التقى بالرئيس دونالد ترامب، مؤكداً التزام البلدين بتوسيع التعاون الاستراتيجي في مجالات الدفاع والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة والأمن الإقليمي.

كما واصلت البحرين تعزيز حضورها الدبلوماسي على الساحة الدولية. فالمملكة تشغل حالياً مقعداً غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2026–2027، ما يوفر منصة إضافية للتنسيق مع الولايات المتحدة بشأن قضايا السلم والأمن الدوليين. وفي يناير 2026، انضمت البحرين أيضاً إلى مجلس السلام، وهو مبادرة تقودها الولايات المتحدة لدعم تنفيذ إطار السلام الخاص بغزة. وخلال فترة عضويتها في مجلس الأمن، استمر التعاون البحريني–الأمريكي في عدد من المبادرات الدبلوماسية الإقليمية، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالأنشطة الإيرانية والأمن البحري وحماية حرية الملاحة.

وقد تزامن انعقاد الجولة الخامسة من الحوار الاستراتيجي البحريني–الأمريكي في المنامة يوم 26 يناير 2026 بصورة مقصودة مع الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. وأشار البيان المشترك الصادر عقب الحوار إلى مستشفى الإرسالية الأمريكية باعتباره نقطة الانطلاق التاريخية للعلاقات الثنائية، معلناً في الوقت ذاته عن مبادرات جديدة في مجالات التعليم والتعاون العلمي والحفاظ على التراث الثقافي وتبادل الشباب والدبلوماسية الرياضية. كما جدد الطرفان التزامهما المشترك بالأمن الإقليمي والاستقرار البحري ومواصلة التنسيق حيال التطورات في إيران واليمن وسوريا ومنطقة الشرق الأوسط بصورة عامة.

وعند النظر إلى العلاقات البحرينية–الأمريكية عبر أكثر من قرن من الزمن، يتضح أن ما يميزها ليس اتفاقاً بعينه بقدر ما هو استمراريتها اللافتة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات. فمنذ تأسيس مستشفى الإرسالية الأمريكية في القرن التاسع عشر وصولاً إلى التعاون المعاصر في إطار اتفاقية C-SIPA والحوار الاستراتيجي، أسهمت المحطات المتعاقبة في توسيع نطاق العلاقة دون أن تغير طبيعتها التعاونية الأساسية. ولا يزال التعاون الدفاعي يمثل الركيزة المحورية لهذه الشراكة، إلا أن نطاقها بات يمتد اليوم إلى التجارة والتكنولوجيا والطاقة والتعليم والدبلوماسية والتعاون العلمي والحوكمة الإقليمية.

ومع احتفال الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على استقلالها، وتنامي الدور الدولي لمملكة البحرين من خلال عضويتها في مجلس الأمن وانخراطها الدبلوماسي الأوسع، تبدو العلاقات الثنائية مهيأة لمواصلة تطورها خلال السنوات المقبلة. وبعد أكثر من قرن على بداياتها الأولى، ما زالت هذه العلاقة تستند إلى مصالح استراتيجية مشتركة، وثقة مؤسسية تراكمت عبر الزمن، والتزام متبادل بدعم الاستقرار الإقليمي والأمن البحري والازدهار طويل الأمد.

ملاحظة: تمت ترجمة هذه المقالة تلقائيًا، والمقالة الكاملة متاحة باللغة الإنجليزية.

روانا محمد إياد الدجاني مساعد محلل

آخر تحديث : 5 يوليو 2026