الشراكة الاستراتيجية بين مملكة البحرين والاتحاد الأوروبي: قراءة في توظيف الدول الصغيرة للشراكات الدولية
لا تُقاس قدرة الدول على التأثير في النظام الدولي دائمًا بحجمها الجغرافي أو عدد سكانها أو مواردها، إذ أثبتت التجارب الدولية أن الدول الصغيرة، رغم ما تواجهه من قيود مرتبطة بمحدودية المساحة والقدرات الذاتية، إلا أنها استطاعت بناء أدوار مؤثرة من خلال المؤسسات الدولية، والشراكات المتوازنة، والدبلوماسية النشطة.
وتشير أدبيات العلاقات الدولية إلى هذه التحديات بمفهوم “معضلة الدولة الصغرى”، التي تعكس القيود المرتبطة بمحدودية الموارد والقدرة على تحقيق توازن أمني منفرد. إلا أن هذه المعضلة لم تمنع الدول الصغيرة من تطوير أدوات لتعزيز أمنها ومكانتها، بل دفعتها إلى الاعتماد على الشراكات والتحالفات باعتبارها وسيلة لتوسيع هامش الحركة وتعزيز حضورها الدولي.
في هذا الإطار، تكتسب مفاوضات اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية (SPAs) بين مملكة البحرين والاتحاد الأوروبي أهمية خاصة، باعتبارها نموذجًا لكيفية توظيف الدول الصغيرة للشراكات المؤسسية للانتقال من التعاون التقليدي إلى إطار أكثر شمولًا واستدامة.
ويبرز هذا النوع من الشراكات بصورة أوضح عند النظر إلى تجارب بعض صُنّاع القرار القادمين من دول صغيرة، حيث أسهمت الخلفيات الوطنية في تشكيل فهم خاص لأهمية التحالفات والأطر الجماعية. ومن أبرز الأمثلة في هذا السياق معالي السيدة كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، والقادمة من جمهورية إستونيا؛ وهي دولة أوروبية صغيرة عاشت مراحل من عدم الاستقرار قبل أن تعزز أمنها ومكانتها من خلال الاندماج في المؤسسات الأوروبية والأطلسية.
وقد انعكست هذه التجربة الوطنية على مسيرتها السياسية، سواء خلال توليها رئاسة وزراء بلدها أو في موقعها الحالي على رأس الدبلوماسية الأوروبية، حيث تؤكد أهمية التحالفات الجماعية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في أمن الدول محدودة الإمكانات.
وتتجاوز هذه الفكرة الحالة الأوروبية المعاصرة، إذ برزت في تجارب تاريخية أخرى لصُنّاع قرار قادمين من دول صغيرة. ومن أبرز هذه النماذج مادلين أولبرايت، أول امرأة تتولى منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، والتي وُلدت في براغ، وعاشت طفولتها المبكرة وسط اضطرابات أوروبية دفعت عائلتها إلى مغادرة بلدها أكثر من مرة بحثًا عن الأمان، وقد تركت تجربة الهشاشة والتهجير أثرًا واضحًا في رؤيتها السياسية، إذ عُرفت أولبرايت بدفاعها عن توسيع حلف شمال الأطلسي ليشمل دول أوروبا الوسطى والشرقية، انطلاقًا من إيمانها بأهمية الأطر الجماعية في حماية الدول الصغيرة الواقعة ضمن بيئات أمنية غير مستقرة.
ولا يعني ذلك أن الخلفية الوطنية تحدد بالضرورة خيارات صانع القرار ، لكنها توفر سياقًا يساعد على فهم أهمية الشراكات المؤسسية بالنسبة للدول الصغيرة. ومن هنا يمكن قراءة مسار العلاقات البحرينية الأوروبية ضمن هذا الإطار الأوسع، باعتباره مثالًا على توظيف الشراكات لتعزيز الاستقرار وتوسيع مجالات التعاون.
فقد جاء الإعلان عن بدء مفاوضات اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بين مملكة البحرين والاتحاد الأوروبي عقب اجتماع سعادة الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، مع معالي السيدة كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، بحضور سعادة السيدة دوبرافكا شويتسا، المفوضة الأوروبية لشؤون البحر الأبيض المتوسط، وذلك على هامش منتدى الأمن الإقليمي والتعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي.
ويمثل الإعلان عن هذه المفاوضات محطة مهمة في مسار العلاقات بين الجانبين، إذ يعكس انتقال التعاون إلى إطار مؤسسي أوسع يشمل الحوار السياسي والأمني، والتنسيق في المحافل متعددة الأطراف، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.
أما بالنسبة لمملكة البحرين، فإن هذه الشراكة تأتي ضمن نهج أوسع لتوظيف أدوات الدولة الصغيرة وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. فمن خلال انخراطها في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وعضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي للفترة 2026-2027، واهتمامها بالأمن البحري وحرية الملاحة، تسعى المملكة إلى تعزيز دورها في القضايا الإقليمية والدولية. ومع بدء المفاوضات، تبرز فرص متعددة لتطوير التعاون بين الجانبين في مجالات الحوار السياسي والأمني، والاستثمار والتكنولوجيا، والطاقة والتنمية المستدامة، بما يرسّخ إطارًا طويل المدى للتعاون ويعزز القدرة على التعامل مع التحديات المشتركة.
ختامًا، تؤكد الشراكة الاستراتيجية بين مملكة البحرين والاتحاد الأوروبي أن تأثير الدول لا يرتبط فقط بحجمها، بل بقدرتها على بناء شراكات فاعلة، وتوظيف المؤسسات الدولية، وتحويل حضورها الدبلوماسي إلى أدوات عملية تدعم مصالحها وتعزز مكانتها في النظام الدولي.
تسنيم عبدالله عيسى
مساعد باحث في برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية بمركز “دراسات”