مستقبل الأمن الإقليمي في الخليج العربي والشرق الأوسط
أثارت التطورات التي شهدتها منطقة الخليج العربي خلال العام الحالي تساؤلات عديدة حول سبل تأمين الملاحة البحرية، ليس فقط في مضيق هرمز وإنما في مضيق باب المندب، وأمن الطاقة- خاصة في حماية البنية التحتية، وكذلك آليات مواجهة الميليشيات المسلحة القادرة على إساءة توظيف التكنولوجيا العسكرية، فضلًا عن تطورات الأوضاع في غزة وسوريا ولبنان واليمن والعراق. هذه القضايا وغيرها يجمعها عنوان واحد، وهو: “مستقبل الأمن الإقليمي في الخليج العربي والشرق الأوسط”.
قبل التطورات الأخيرة، كان الحديث عن الأمن في الخليج العربي يتخذ ثلاثة مسارات. الأول: البعد الذاتي لأمن الخليج العربي من خلال تكامل الجهود العسكرية الخليجية لتحقيقه ضمن منظومة مجلس التعاون. الثاني: البعد الإقليمي، وهو ما انعكس بشكل واضح في رؤية دول مجلس التعاون للأمن الإقليمي الصادرة في عام 2024. الثالث: البعد الدولي من خلال تنويع دول مجلس التعاون لشراكاتها الأمنية الدولية. فمع أهمية الشراكة الأمنية الثنائية بين دول المجلس والولايات المتحدة، كان توقيع اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل بين مملكة البحرين والولايات المتحدة وبريطانيا بمثابة التأسيس لأطر أمنية إقليمية متعددة الأطراف.
وشرق أوسطيًا، لا شك أن التطورات المهمة كانت أحداث غزة، واضطراب الملاحة البحرية في البحر الأحمر على مدى عامين، تخللها تأسيس الولايات المتحدة لتحالف حارس الازدهار لتأمين الملاحة البحرية في تلك المنطقة؛ فما هو المشهد بعد التطورات الأخيرة؟ والأهم، ما هي فرص وتحديات دول مجلس التعاون في ذلك المشهد الذي يعكس المشهد الإقليمي برمته؟
من بين تلك التحديات: انتهاء الحدود الفاصلة بين مستوى الأمن الإقليمي والعالمي، ويعد أمن الملاحة في مضيق هرمز مثالًا على ذلك، حيث كان المرور فيه أثرًا سلبيًا على دول كثيرة. الثانية: تأثير الميليشيات المسلحة في معادلة الأمن الإقليمي – الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان والفصائل المسلحة في العراق. الثالثة: دور التكنولوجيا الحديثة في الحروب وأثرها على العقيدة العسكرية للجيوش. الرابعة: حالة عدم الاستقرار في دول الجوار وتداعياتها الإقليمية. الخامسة: التباين بين رؤى الأطراف المختلفة للأمن الإقليمي.
لا شك في وجود فرص لدول مجلس التعاون في ذلك المشهد بالغ التعقيد. أولًا: الاستمرار في حشد المواقف الإقليمية والدولية بهدف إيجاد أطر دائمة لحماية الملاحة البحرية، سواء في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، انطلاقًا من أهميتها الحيوية بالنسبة لدول المجلس.
ثانيًا: المزيد من التنسيق والتكامل العسكري بين دول مجلس التعاون، خاصة على صعيد توظيف التكنولوجيا في المجال العسكري، فضلًا عن أهمية تكامل جهود توطين التصنيع العسكري، ما يعزز أمنها الذاتي.
ثالثًا: حتمية وجود مسار خليجي جماعي بشأن رؤية مستقبل العلاقات مع إيران في ضوء تطورات عام 2026، ودور دول المجلس تجاه دعم الحكومات الوطنية في دول الجوار بما يعني الحد من وإلغاء دور الميليشيات المسلحة فيها.
مع أهمية ما سبق، توجد عدة تحديات لأمن الخليج العربي والشرق الأوسط في مقدمتها ملف غزة وتأثيراته على أمن الشرق الأوسط ككل، بما يفرزه من تحديات دبلوماسية وسياسية، فضلًا عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي الناتجة عن التهديدات التي تواجهها دول الجوار، خاصة من قبل الميليشيات المسلحة، بالإضافة إلى الملف الإيراني وتأثيره على معادلة الأمن الإقليمي.
تستدعي صياغة تصور للأمن الإقليمي في الخليج العربي أو الشرق الأوسط التفرقة بين العوامل المنشئة لحالة عدم الاستقرار والأخرى المحركة لها، فضلًا عن طبيعة الأدوار المطلوبة، بالإضافة إلى الآليات اللازمة لتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
وانطلاقًا من كون الأمن الإقليمي هو حاصل جمع الوحدات المكوِّنة له – وفقًا لما أشار إليه عالم السياسة الكندي البريطاني باري بوزان، صاحب الإسهامات المتميزة في نظريات الأمن الإقليمي وأهمها “مركب الأمن الإقليمي”، وخصوصًا أن التهديدات الأمنية للدول المتجاورة تتسم بالتشابك والتداخل، بحيث يكون من الصعوبة أن تواجه أي دولة تلك التحديات بمفردها – فإن المدخل الأساسي للأمن الإقليمي (العوامل المنشئة للأزمات) هو بناء الوحدات المكوِّنة له، الأمر من خلال دعم استقرار دول الجوار عبر مبادرات إقليمية-دولية. فمثلًا عندما تمتلك إحدى الدول الساحلية قدرات بحرية، تترجم هذه القدرة إلى التمكن من مواجهة القرصنة وتهديدات الأمن البحري، بينما تمثل العوامل المحركة في استغلال الميليشيات المسلحة لحالة عدم الاستقرار.
من ناحية ثانية، أكدت أزمة الملاحة في مضيق هرمز على أن أمن العالم متشابك، ما يعني ضرورة حصر كافة الأدوار المطلوبة للتعاون ضمن أطر محددة ودائمة، لأن تكون مجرد استجابة وقتية للأزمات.
ويعيد ذلك إلى الأذهان دعوة معالي السيد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى إنشاء تحالف دولي لمواجهة التحديات التي تواجه إمدادات الطاقة، في كلمته أمام قمة حوار المنامة في عام 2023م.
وعلى صعيد متصل، فإن آليات تحقيق الأمن الإقليمي هي تؤكد الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج العربي في عامي 2025 و2026م على أن الخلل في توازن القوى وسعي الدول والجماعات دون الدول لتوظيف حالة عدم الاستقرار في دول الجوار، وغياب آليات ردع دولية بشكل دائم كانت سببًا في خروج الصراع عن الحد المألوف. يستدعي التفكير في أطر للأمن الإقليمي تغطي الخليج العربي وعموم الشرق الأوسط تأكيدًا لمقولة “أمن العالم يبدأ وينتهي في الخليج العربي”.
د. أشرف محمد عبدالحميد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية