الحروب تنتهي.. لكن البحر لا ينسى

الرئيسية / دراسات طاقية / الحروب تنتهي.. لكن البحر لا ينسى

في خضم الحروب، تنصرف الأنظار بطبيعة الحال إلى الخسائر البشرية والدمار الذي يلحق بالمدن والبنية التحتية، بينما يبقى عالمٌ كامل تحت سطح البحر بعيدًا عن عدسات الكاميرات وعناوين الأخبار. فالتقلبات السياسية مهما اشتدت تنتهي يومًا ما، وتُوقَّع الاتفاقيات وتُرسَّم الحدود، إلا أن آثار الحرب على البيئة البحرية لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل قد تستمر لعقود، وربما لقرون، لتطال كائنات لم تكن طرفًا في النزاع أصلًا.

وتُعد الألغام البحرية من أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا الإرث البيئي الثقيل. فخلال النزاعات تُزرع آلاف الألغام لتعطيل حركة السفن، لكنها تبقى كامنة في قاع البحر حتى بعد انتهاء الحرب، مهددةً الملاحة والحياة البحرية على حدٍّ سواء. والمفارقة أن التخلص منها لا يخلو هو الآخر من آثار كارثية؛ إذ تعتمد العديد من الدول على تفجيرها في مواقعها، وهو ما يولد موجات ضغط هائلة تنتشر لمسافات طويلة تحت الماء. وتؤكد الدراسات أن هذه الموجات قد تتسبب في نفوق الحيتان والدلافين والفقمات، أو إصابتها بتمزقات داخلية ونزيف وفقدان للسمع، فضلًا عن تعطيل قدرتها على التواصل والصيد والهجرة، وهي وظائف حيوية تعتمد أساسًا على الإشارات الصوتية في البيئة البحرية.

ولا يقتصر الخطر على الانفجارات وحدها، بل يمتد إلى الذخائر التي تبقى غارقة لعشرات السنين. فمع مرور الزمن تتآكل الأغلفة المعدنية، لتتسرب منها مركبات شديدة السُّميِّة إلى المياه والرواسب البحرية. وقد رصدت الأبحاث وجود تركيزات مرتفعة من هذه المواد في الأسماك والكائنات القاعية المحيطة بمواقع الذخائر القديمة منذ زمن الحرب أيّاً كان موقعها، بما يهدد التنوع الحيوي ويزيد احتمالات انتقال الملوثات عبر السلسلة الغذائية. وفي جزر سليمان، على سبيل المثال، كشفت دراسات حديثة مشتركة بين جامعة كوينزلاند وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن قنابل الحرب العالمية الثانية المتحللة بدأت بالفعل بإطلاق مواد كيميائية سامة في البيئة البحرية، في تذكير مؤلم بأن الحروب قد تستمر في تلويث النظم البيئية بعد مرور أكثر من ثمانين عامًا على انتهائها.

ولعل ما تشهده منطقتنا اليوم في الخليج العربي ومضيق هرمز من حالة تصعيد عسكري يبرز هذه الحقيقة بصورة مؤلمة. فهذا الممر البحري ليس مجرد شريان حيوي للتجارة والطاقة، بل هو موطن لبيئة حيوية فريدة تمكنت من التأقلم مع مختلف الظروف المناخية القاسية. فمع كل تصعيد عسكري، تزداد الضغوط على السلاحف البحرية، والدلافين، وأبقار البحر، والشعاب المرجانية، وغيرها من الكائنات التي جعلت مياه الخليج تزخر بنظام بيئي متكامل على مدى القرون. فحتى عندما يتوقف القصف، تبقى الضوضاء تحت الماء، والتلوث، والذخائر غير المنفجرة، والاضطراب المستمر في الموائل البحرية جميعها عوامل تهدد استقرار هذه الأنظمة البيئية.

إن الحديث عن أخلاقيات الحرب لا ينبغي أن يقتصر على حماية المدنيين أو صون الممتلكات، على أهميتهما، بل يجب أن يمتد ليشمل الكائنات الحية والأنظمة البيئية التي لا تملك صوتًا تدافع به عن نفسها. وليس هذا المفهوم غريبًا عن تراثنا الإسلامي؛ فقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الجيوش بألاّ تمتد أيديهم لقطع الشجر أو حرق النخل، في تأكيد مبكر على أن الحرب لا تبرر الاعتداء على الطبيعة أو الإفساد في الأرض. وإذا كان الإسلام قد نهى عن قطع شجرة أثناء القتال، فمن الأولى أن تمتد هذه الأخلاق اليوم إلى حماية البحار ومخلوقاتها، إدراكًا بأن إنهاء الحرب سياسيًا لا يعني انتهاء آثارها البيئية، وأن السلام الحقيقي لا يكتمل إلا عندما تستعيد الطبيعة عافيتها أيضًا.

ولعل هذا الواجب يكتسب أهمية مضاعفة في منطقتنا، فمياه الخليج العربي لم تكن يومًا مجرد مساحة مائية، بل كانت أساس ازدهار دوله وشعوبه، فمنها استُخرج اللؤلؤ، وعبرها ازدهرت التجارة، ومن أعماقها جاءت موارد النفط والغاز، ومنها تُحلّى المياه التي نشربها، ويُصطاد السمك الذي يشكل جزءًا هامًا من غذائنا عبر الأجيال. فحماية هذا البحر في أوقات السلم والحرب ليست ترفًا بيئيًا، بل أقل ما يمكن أن نقدمه من وفاء لمصدرٍ كان وما زال أساس حضارتنا.

ملاحظة: تمت ترجمة هذه المقالة تلقائيًا، والمقالة الكاملة متاحة باللغة الإنجليزية.

المهندسة سبيكة خالد إسماعيل – محلل مساعد في برنامج دراسات الطاقة والبيئة بمركز “دراسات”

آخر تحديث : 22 يوليو 2026