السعودية على أعتاب النادي النووي

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / السعودية على أعتاب النادي النووي

شهدت العلاقات السعودية الأمريكية تطوراً مهماً مؤخراُ مع توقيع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود اتفاقية التعاون النووي السلمي، المعروفة باتفاقية (123)، إلى جانب اتفاقية الضمانات الثنائية المرافقة. ووصفت وزارة الطاقة الأمريكية هذه الخطوة بأنها تؤسس لشراكة تمتد لعقود وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات، كما تتيح للشركات الأمريكية المشاركة في البرنامج النووي السعودي. في المقابل، أكدت وكالة الأنباء السعودية أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وفق أعلى المعايير الدولية للأمان والأمن النوويَّيْن وعدم الانتشار.

ويأتي هذا الاتفاق امتداداً لمسيرة طويلة من العمل المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي لتطوير البرنامج النووي السعودي. فقد تطور البرنامج عبر مراحل متدرجة بدأت ببناء القاعدة العلمية وإعداد الكفاءات الوطنية، ثم انتقلت إلى تأسيس البنية التحتية والمؤسسات التنظيمية، واستكمال الأطر التشريعية، وتعزيز الشراكات الدولية، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي تشهد انتقال البرنامج نحو التنفيذ الفعلي. تعود البدايات المؤسسية لهذا المسار إلى عام 1977، عندما أُنشِئَت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لتكون المرجعية الوطنية في البحث العلمي والتقنيات المتقدمة. ثم تعزّز هذا التوجه بإنشاء معهد بحوث الطاقة الذرية في عام 1988، الذي أسهم في إعداد الكفاءات الوطنية وتطوير التطبيقات السلمية للطاقة النووية في مجالات السلامة النووية، والحماية من الإشعاع، وإنتاج النظائر المشعّة.

ومع انتقال المملكة العربية السعودية من مرحلة البحث العلمي إلى التخطيط الاستراتيجي، جاء إنشاء مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في عام 2010 ليشكّل نقطة تحوّل رئيسة في البرنامج النووي السعودي. فقد أُوكِلَت إليها مسؤولية تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والطاقة المتجددة، وإعداد السياسات الوطنية، وتنسيق الشراكات الدولية. ويعكس هذا التوجه رؤية المملكة نحو بناء مزيج طاقة أكثر تنوّعاً، تقوم فيه الطاقة النووية والطاقة المتجددة بدورين متكاملين في دعم التنمية الاقتصادية، وتعزيز أمن الطاقة، وتحقيق أهداف رؤية المملكة لعام 2030م، بما يسهم في توفير إمدادات كهربائية مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، ويدعم النمو الصناعي والاقتصادي على المدى الطويل.

ومع تطور البرنامج، اتجهت المملكة إلى استكمال الإطار التشريعي والتنظيمي، حيث أقر مجلس الوزراء السعودي في عام 2018 السياسة الوطنية لبرنامج الطاقة الذرية، والتي أكدت بصورة واضحة أن جميع الأنشطة النووية في المملكة ستقتصر على الاستخدامات السلمية، مع الالتزام الكامل بمعايير الأمان والأمن النوويَّيْن، وعدم الانتشار، والشفافية، وتعظيم المحتوى المحلي ونقل المعرفة. وشملت السياسة الوطنية كذلك إنشاء هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، لتتولى مسؤولية تنظيم القطاع، وإصدار التراخيص، والإشراف على تطبيق أعلى المعايير الدولية، بما أسس لمنظومة حوكمة نووية حديثة تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.

لذا فإن توقيع الاتفاقية مع الولايات المتحدة يأتي امتداداً لمسار طويل من بناء المؤسسات، وتطوير الكفاءات الوطنية، واستكمال الأطر التنظيمية، وتعزيز الشراكات الدولية، وهو ما هيّأ المملكة للانتقال إلى مرحلة جديدة في تطوير برنامجها النووي السلمي. ويعكس الاتفاق نضج البرنامج السعودي بعد سنوات من الإعداد المؤسسي والتشريعي والفني، ويؤكد أن الطاقة النووية أصبحت جزءاً من رؤية وطنية تستهدف تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات، وتوطين التقنيات المتقدمة، ودعم التنمية الاقتصادية. كما يفتح الاتفاق آفاقاً أوسع لنقل المعرفة، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة النووية، بما يعزز المحتوى المحلي ويرفع مساهمة القطاعات التقنية والهندسية.

وعلى المستوى الإقليمي، قد يشكل هذا الاتفاق فرصة لإعادة إحياء التعاون الخليجي في مجال الطاقة النووية السلمية، مستفيداً من تجربتين مهمتين في المنطقة؛ الأولى نجاح مشروع الربط الكهربائي الخليجي، والثانية التجربة الإماراتية الرائدة في تشغيل أول محطة نووية في العالم العربي. ويكتسب هذا التوجه أهمية متزايدة مع التوسع الذي تشهده دول مجلس التعاون في مشاريع الطاقة المتجددة، حيث تمثل الطاقة النووية مكمّلاً لهذه المشاريع من خلال توفير إمدادات مستقرة ومنخفضة الانبعاثات. كما يفتح هذا التكامل أيضاً آفاقاً لتطوير سوق خليجية للكهرباء النظيفة، وتعزيز التعاون في البحث والتطوير، وبناء القدرات الوطنية، وتنسيق الأطر التنظيمية، ليكون أحد الأسس المهمة في تعزيز العمل الخليجي المشترك.

د.عبدالله عيسى احمد العباسي مدير برنامج الطاقة والبيئة

 

آخر تحديث : 25 يوليو 2026