الدلالات الاستراتيجية للمبادرة السعودية بتأسيس التحالف البحري الدفاعي لأمن الملاحة

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / الدلالات الاستراتيجية للمبادرة السعودية بتأسيس التحالف البحري الدفاعي لأمن الملاحة

في 30 يوليو 2026م، استضافت المملكة العربية السعودية اجتماعًا دوليًا لرؤساء الأركان وممثليهم من 43 دولة، بالإضافة إلى مندوبية الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، لمناقشة المبادرة السعودية الرامية إلى تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات؛ بهدف تعزيز أمن الممرات المائية الدولية وحمايتها، ومواجهة التهديدات التي تستهدف الملاحة البحرية والتجارة العالمية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

في ختام الاجتماع، أصدر ممثلو 14 دولة بيانًا مشتركًا أعلنوا فيه دعمهم لتأسيس التحالف وترتيباته التأسيسية، في حين أكدت دول أخرى تأييدها للمبادرة السعودية، وأنها تمضي نحو استكمال إجراءاتها وموافقاتها الوطنية اللازمة للانضمام إلى البيان المشترك الخاص بالتحالف.

والواقع أن الحديث عن مثل هذه المبادرات النوعية يقتضي التطرق إلى أربعة أبعاد رئيسية، هي: القيادة، وظروف الإطلاق، والمضمون، والتأثير.

فعلى مستوى القيادة، ووفقًا للمعلومات المتداولة بشأن المبادرة، اتفق المجتمعون على أن تكون المملكة العربية السعودية مؤسس التحالف وقائده، وأن تستضيف مقره. وفي تقديري، فإن هذا الإجماع انطلق من قناعة إقليمية ودولية بالدور المحوري والثقل الاستراتيجي للمملكة، سواءً داخل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو على المستوى الإقليمي، فضلاً عن خبرتها في تأسيس وقيادة تحالفين مهمين، هما: التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب في عام 2015م، بالإضافة إلى مشاركتها في التحالف العسكري البحري لأمن الملاحة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2019م، إلى جانب عدد من الدول الأخرى. وتُمثّل هذه الخبرات التراكمية منطلقًا مهمًا لقيادة المملكة لهذا التحالف الدولي.

أما على صعيد التوقيت، فلا شك أن منطقة الخليج العربي ومحيطها الإقليمي يشهدان تطورات غير مسبوقة، انعكست بصورة مباشرة على أمن الملاحة البحرية، مما يمثل تهديدًا للأمن القومي لدول الخليج العربية، بوصفها دولاً بحرية تعتمد بصورة رئيسية على الممرات المائية الدولية في تجارتها مع العالم. ويأتي ذلك في ظل تصاعد تهديدات الجماعات المسلحة من غير الدول لأمن الملاحة البحرية، ولا سيّما تهديدات جماعة الحوثي في اليمن، واستهدافها المنشآت النفطية في المملكة، واستمرار تهديد الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية، و10% من تجارة النفط المنقولة بحرًا. ويتزامن ذلك مع استمرار تهديد الملاحة في مضيق هرمز منذ بداية التطورات الإقليمية الراهنة في 28 فبراير 2026م وحتى الآن، وإخفاق المجتمع الدولي في تأسيس تحالف دولي يضمن إعادة فتح المضيق أمام الملاحة البحرية.

صحيحٌ أنه قد سبق تأسيس تحالف لأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2023م، وهو تحالف حارس الازدهار بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه لم يَحْظَ بمشاركة إقليمية ودولية واسعة على غرار التحالف الحالي المقترح من المملكة العربية السعودية، والذي تبرز أهميته أيضًا من حيث المضمون؛ إذ سيكون للتحالف ميثاق تأسيسي، وهيكل تنظيمي، وآليات تشغيل، ومقر دائم في المملكة، مما قد يهيئه مستقبلاً للتطور إلى ما يشبه “ناتو إقليمي”، أو بالأحرى “تحالف الراغبين”، الذي يقوم على أهداف دفاعية لا هجومية.

ووفقًا للرؤية السعودية، يرتكز التحالف على ثلاثة أهداف رئيسية. أولاً: تعزيز الأمن البحري الجماعي. ثانياً: صيانة حرية الملاحة والتجارة الدولية. ثالثاً: تقاسم المسؤولية الدولية في مواجهة التهديدات المشتركة. بعبارة أخرى، يعكس هذا التحالف تلاشي الحدود الفاصلة بين مستويي الأمن الإقليمي والأمن العالمي؛ إذ تؤكد خبرات الماضي وتطورات الحاضر، دون أدنى شك، أن أمن الملاحة البحرية لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، وإنما بات يرتبط بصورة وثيقة بالأمن والاستقرار العالميين، وأن مصير العالم في هذا المجال أصبح مترابطًا إلى حدٍ كبير.

كما ضم الإعلان المبدئي أربع دول خليجية، منها مملكة البحرين، إلى جانب عدد من الدول الإقليمية والدولية، في دلالة استراتيجية على إدراك هذه الدول لأهمية العمل الجماعي لمواجهة تهديدات الأمن البحري في أحد أهم الشرايين المائية في العالم، وهو مضيق باب المندب.

أما على صعيد التأثير، ففي تقديري توجد خمسة مقومات رئيسية لنجاح هذا التحالف.

أولاً: وجود توافق إقليمي سابق حول أهمية حماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تجسَّد في مبادرة المملكة العربية السعودية بتأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2020م، ويلاحظ أن سبعًا من الدول الثماني الأعضاء في ذلك المجلس كانت ضمن الدول الأربع عشرة التي أيدت المبادرة السعودية.

ثانيًا: يركز الباحثون عادةً على الدول المحورية داخل أي تحالف، سواءً على المستوى الإقليمي أو العالمي. فعلى المستوى الإقليمي، يبرز كلٌّ من المملكة العربية السعودية وجامعة مصر العربية، نظرًا لامتلاكهما مصالح استراتيجية مباشرة في حماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر، سواءً لكون البحر الأحمر يمثل الممر الرئيسي لقناة السويس، التي تُعد أحد أهم مصادر الدخل القومي لمصر، أو لارتباطه بالمشروعات التنموية الطموحة للمملكة ضمن رؤية السعودية 2030، وفي مقدمتها مشروع نيوم. أما على المستوى الدولي، فإن تأييد كلٌّ من باكستان وتركيا للتحالف، مع احتمال انضمام قوى دولية أخرى مستقبلاً، يعزز من مكانته، ولا سيّما في ظل تنامي الشراكات الخليجية والعربية مع هاتين الدولتين، وما تمتعتان به من ثقل عسكري وأدوار دبلومسيية مؤثرة.

ثالثاً: تعدُّد مجالات التعاون داخل التحالف، بحيث لا تقتصر على تنفيذ العمليات المشتركة، وإنما تمتذ إلى تبادل المعلومات والاستخبارات، وإجراء التمارين المشتركة، وبناء القدرات، مما يعزز قدرة التحالف على إحباط محاولات تهديد الملاحة البحرية في هذا الممر المائي الحيوي. وتقوم الفكرة الأساسية للتحالف على تكامل الجهود في إطار اتفاق ملزم يحدد إسهامات كل دولة وفق إمكاناتها، مع احتفاظ كل دولة بحق ممارسة أدوارها في إطار سيادتها الوطنية.

رابعاً: التزام التحالف بأحكام القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، والتكامل مع الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة تهديدات الأمن البحري.

خامساً: تفرض التحديات استجابات مناسبة؛ فالأمن البحري أصبح أحد أبرز انعكاسات حالة التوتر الإقليمي، ما يستدعي تبنّي إجراءات ردع مستدامة تقودها قوة إقليمية، وتشارك فيها قوى إقليمية ودولية يجمعها هدف واحد، يتمثّل في مواجهة انتقال الصراعات الإقليمية من البر إلى البحر، وما يفرضه ذلك من الحاجة إلى تحالفات نوعية تتسم بالأهمية الاستراتيجية من حيث التوقيت والمضمون.

د. أشرف محمد عبدالحميد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

آخر تحديث : 3 أغسطس 2026