القمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون: حوار سياسي وتعاون اقتصادي دون تكتل أمني
خلال الفترة من 31 أغسطس وحتى 1 سبتمبر 2026، عقدت منظمة شنغهاي للتعاون قمتها السنوية في مدينة بيشكيك، عاصمة قرغيزستان. ومع أن انعقاد تلك القمة هو حدث يتم سنويًّا في الدولة التي تتولى رئاسة المنظمة وفق نظام التناوب، فإن قمة هذا العام قد انعقدت في ظل تطورات إقليمية وعالمية بالغة الأهمية، سواءً على مستوى الأمن الإقليمي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو على المستوى العالمي.
بدايةً، ينبغي التأكيد على أن هذه المنظمة قد تأسست في عام 2001 بعضوية ست دول، وازدادت في السنوات اللاحقة لتصل إلى عشر دول في الوقت الراهن، وهي: الصين، والهند، وروسيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وقرغيزستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وباكستان، وإيران، بالإضافة إلى عدة دول بصفة شركاء حوار، منها دول مجلس التعاون، باستثناء سلطنة عمان، مع الإشارة إلى أن قمة تيانجين عام 2025 أقرت استحداث صفة جديدة هي «شريك منظمة شنغهاي» وإلغاء صفة «شريك الحوار»، على أن تظل الأوضاع الحالية قائمة إلى حين دخول التعديلات القانونية ذات الصلة حيز النفاذ، وقد اتُّخذ قرار منح مملكة البحرين صفة شريك حوار في عام 2022، فيما وُقعت مذكرة منح الصفة رسميًّا في عام 2023.
وبنظرة فاحصة على الميثاق المؤسس لهذه المنظمة، نجد أنها ليست تكتلًا موجَّهًا ضد أي تكتل آخر، بل تستهدف تعزيز العلاقات وحسن الجوار بين أعضائها، وتطوير التعاون السياسي والاقتصادي والأمني وغيرها من مجالات التعاون، والحفاظ على السلام والأمن والاستقرار الإقليمي، والإسهام في إقامة نظام دولي سياسي واقتصادي أكثر عدلًا. من حيث الأهمية الدولية لهذه المنظمة، نجد أنها تمثل 40% من سكان العالم، وحوالي ربع إجمالي الناتج المحلي العالمي.
ومع التسليم بأن هذه المنظمة ليست حلفًا بالمفهوم العسكري، إذ لم يعكس ميثاقها المؤسس هذا الأمر، فإنها لطالما سُمِّيَت بالـ«ناتو الآسيوي» في مواجهة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الذي يضم أمريكا الشمالية والدول الأوروبية، إلا أن هذه المنظمة تضم دولًا تتبنى مواقف ناقدة، بدرجات متفاوتة، لبعض السياسات الأمريكية والغربية، فيما يسعى عدد من أعضائها إلى تعزيز نظام دولي أكثر تعددية وتعددًا في مراكز القوة، فضلًا عن سعي بعض أعضائها إلى تقليل الاعتماد على المؤسسات والترتيبات الاقتصادية والمالية التي تقودها الدول الغربية.
ألقت التطورات الإقليمية والعالمية بظلالها على كلمات رؤساء الدول المشاركة في القمة، منها حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي دعا إلى التضامن في مواجهة «الضغوط الغربية«، وتحدث عن ضرورة إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز فاعليتها وتوسيع تمثيل دول الجنوب والشرق فيها، مع تأكيده استمرار دورها المركزي في النظام الدولي؛ وتأكيد الزعيم الصيني شي جين بينغ استعداد بلاده للمساهمة في الجهود الرامية إلى تسوية النزاعات في بؤر التوتر، بما في ذلك في أوروبا والشرق الأوسط.
ومع أهمية ما سبق، يُثار تساؤلان مهمّان؛ الأول: هل لدى هذه المنظمة القدرة على التأثير في النظام العالمي نحو التعددية القطبية، لكونها تضم دولًا كبرى؟ والثاني: هل عكس البيان الختامي لهذه القمة ما يمكن وصفه بـ«خارطة طريق لمستقبل المنظمة»؟
للإجابة على التساؤل الأول، وبعد مرور خمسة وعشرين عامًا على تأسيس المنظمة، ورغم ثقل بعض أعضائها على المستويين الاقتصادي والسياسي، خاصةً ضمن التنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن منظمة شنغهاي ظلت، في جوهرها، إطارًا متعدد الأطراف للحوار وتنسيق المواقف والتعاون في مجالات اقتصادية وأمنية وسياسية، دون أن تتحول إلى تحالف أمني أو عسكري، وما زالت تعاني من ثلاث معضلات.
الأولى: التنافس بين بعض دولها، سواءً على الصعيد الاقتصادي أو الجيوستراتيجي، ما يعني عدم وجود إطار تتماهى فيه أهداف دولها. الثانية: وجود خلافات حدودية بين دولها، ويتجدد بعضها بين الحين والآخر، مع عدم امتلاك المنظمة آلية مؤسسية ملزمة للتحكيم أو التسوية النهائية لمثل هذه النزاعات. الثالثة: تفاوت المصالح والأولويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بين الدول المكوِّنة للمنظمة، وهو ما يحد من إمكانية بناء درجة عالية من التجانس في مواقفها تجاه مختلف القضايا، ويؤثر بدوره في قدرتها على تبني مواقف جماعية ملزمة.
أما إجابة التساؤل الثاني، فبالنظر إلى مضمون البيان الختامي، كان لافتًا تكرار رفض «الهيمنة الأحادية الدولية»، وأهمية تعزيز دور الأمم المتحدة تجاه قضايا السلم والأمن الدوليين، فضلًا عن اعتماد 28 وثيقة، من بينها إعلان بيشكيك وبروتوكول إدخال تعديلات وإضافات على ميثاق المنظمة، إلى جانب عدد من الوثائق والبيانات المتعلقة بالتعاون في مجالات مختلفة. ومع أهمية هذه القرارات، فإنها لا ترقى إلى تحول نوعي في طبيعة المنظمة باتجاه إنشاء تكتل أمني أو عسكري ملزم، وإن كانت تعكس استمرارًا في تطوير بنيتها المؤسسية وآليات التعاون الأمني والاقتصادي.
ولا يعني ما سبق أن المنظمة ليست ذات أهمية، بل إنها شهدت وسوف تشهد أوجه تعاون في مجالات مختلفة تمثل أهمية مشتركة لدولها، كما أنها تمثل فرصة أيضًا للدول التي لها صفة شركاء الحوار والأطر الجديدة للشراكة لطرح رؤى بشأن التحديات الراهنة، منها على سبيل المثال، إشارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمته إلى أن «منظمة شنغهاي لا تلعب دورًا في ضمان السلام والاستقرار فحسب، بل ستضطلع أيضًا بدور في إنشاء ممرات نقل آمنة وضمان إمدادات الطاقة».
في تقديري، ومع أهمية ما سبق، سوف تظل منظمة شنغهاي إطارًا جماعيًّا إقليميًّا لتنسيق المواقف في القضايا الاقتصادية، وبدرجة أقل السياسية، وتطوير التعاون الأمني، لكن دون التحوُّل إلى مفهوم التحالف في المستقبل المنظور. فالانتقال من منظمة للتعاون والتنسيق إلى تحالف أمني أو عسكري يتطلب، على الأقل، وجود التزامات واضحة ومؤسسية بالأمن أو الدفاع المشترك، ودرجة مرتفعة من التوافق حول مصادر التهديد والتحديات الأمنية، وآليات عملية لتنفيذ تلك الالتزامات. ولا يتوافر في المنظمة حتى الآن هذا المستوى من الالتزام الجماعي، فضلًا عن غياب قوة قيادية متفق عليها بين أعضائها.
المحصلة هي أن تباين المصالح والتنافس وأولوية العلاقات الثنائية سوف تظل من أبرز سمات عمل منظمة شنغهاي للتعاون، على الأقل في السنوات القليلة القادمة، مع استمرار سعيها إلى تطوير التعاون المؤسسي والاقتصادي والأمني دون الانتقال إلى صيغة التحالف الأمني أو العسكري.
د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية، مركز “دراسات”