النظام الإيراني وكلفة الخيار النووي
الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / النظام الإيراني وكلفة الخيار النووي
دخل قطاع الطاقة الإيراني الحرب الأخيرة وهو يواجه تحديات هيكلية متراكمة. فرغم امتلاك إيران ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي وثالث أكبر احتياطي من النفط في العالم، بلغ العجز في إمدادات الكهرباء، وفق التقديرات الرسمية الإيرانية، ما يعادل قرابة ثلث الاستهلاك الوطني. تعكس هذه الأرقام مفارقة واضحة بين حجم موارد الطاقة التي تمتلكها إيران وقدرتها على الاستفادة منها، فقد ساهم ضعف الاستثمار في البنية التحتية، وتقادم محطات التوليد، وارتفاع الفقد في الشبكات في تفاقم أزمة الكهرباء. كما أدّت السياسة الخارجية التوسعية التي انتهجها النظام الإيراني إلى فرض عقوبات حدّت من قدرة البلد على جذب الاستثمارات والحصول على التمويل والتقنيات الحديثة.
ورغم الاهتمام الكبير الذي حظي به البرنامج النووي الإيراني على مدى عقود، ظلت مساهمته الفعلية في قطاع الكهرباء محدودة للغاية، حيث لم تتجاوز الطاقة النووية نحو 1.7% من إجمالي توليد الكهرباء، من خلال محطة بوشهر النووية الوحيدة. مع ذلك، وجّه النظام الإيراني موارد كبيرة نحو تطوير البرنامج النووي، وبالأخص دورة الوقود وقدرات تخصيب اليورانيوم، وصولاً إلى نسبة 60% قُبيل الحرب. هنا تظهر فجوة واضحة بين احتياجات قطاع الطاقة والمسار الذي اتخذه البرنامج؛ فالمفاعلات القدرة تستخدم عادةً وقوداً منخفض التخصيب، كما تحصل محطة بوشهر على وقودها من روسيا، في حين لا توجد حاجة كهربائية قائمة في إيران تتطلب التخصيب إلى مستوى 60%. ولا يعني الوصول إلى هذه النسبة امتلاك سلاح نووي، إلا أنه يقلص بصورة كبيرة المسافة التقنية نحو مستويات أعلى من التخصيب، وهو ما جعل البرنامج مصدراً مستمراً للتوتر والعقوبات.
في حال انتهاء المواجهة الحالية، سيكون أمام النظام الإيراني خياران أساسيان في التعامل مع برنامجه النووي وتحديد أولوياته في المرحلة المقبلة. يتمثل الخيار الأول في إعادة ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد نحو إعادة إعمار البنية التحتية، ومعالجة أزمتي الكهرباء والمياه، وتحديث شبكات الطاقة، وتحسين الظروف الاقتصادية، مع العودة إلى تعاون أكثر شفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويمكن لهذا الخيار أن يخفف من الضغوط الخارجية، ويوجه الموارد نحو احتياجات الشعب الإيراني، ويعيد للطاقة النووية دورها ضمن برنامج مدني يرتبط حصرياً بأمن الطاقة والتنمية.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في استمرار النظام الإيراني في إعادة بناء قدرات التخصيب، وتعزيز حماية المنشآت تحت الأرض، والاحتفاظ بمستويات مرتفعة من التخصيب باعتبارها ورقة استراتيجية في مواجهة خصومه. وظلت بعض المواقع والأنفاق العميقة قائمة، كما ظهرت أعمال إنشاء وتحصين في عدد منها، في الوقت الذي ما زال فيه مصير جزء من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب خارج نطاق التحقّق الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وإذا استمر النظام في هذا الخيار، فإنه سيعاود توجيه موارد – البلد في أملس الحاجة إليها – لإعادة الإعمار – نحو برنامج كان في الأساس أحد الأسباب الرئيسة للعقوبات والتوتر الذي أدّى إلى المواجهة العسكرية.
هنا تكمن الإشكالية الأكبر؛ إذ إن إعادة بناء القدرات المُدمّرة دون معالجة الأسباب التي قادت إلى استهدافها قد تعيد إيران إلى الدائرة نفسها. فإعادة بناء منشآت التخصيب والتحصينات ستحتاج إلى موارد مالية وتقنية كبيرة، دون أن تعالج العجز في الكهرباء أو تقادم الشبكات أو شح المياه. كما أن استمرار الغموض حول البرنامج النووي قد يبقي العقوبات والضغوط الدولية قائمة، ويرفع احتمالات تجدد المواجهة، وهي كلفة لن يتحملها النظام وحده، وإنما سينعكس جانب كبير منها على الشعب الإيراني واقتصاد البلاد، كما ستمدد تداعياتها الأمنية والاقتصادية إلى دول المنطقة.
لذلك كله، فإن الاختبار الحقيقي أمام النظام الإيراني بعد الحرب لا يتعلق بقدرته على إعادة بناء ما دُمِّر، بل يعتمد على الأولويات التي سيختارها. فإيران تمتلك موارد بشرية وطبيعية كبيرة تؤهلها لبناء قطاع طاقة أكثر كفاءة واستدامة، إلا أن استمرار توجيه الموارد نحو التخصيب والمنشآت المحصنة، على حساب الكهرباء والمياه والبنية التحتية والتنمية، سيؤدي إلى استمرار النهج ذاته الذي حمّل إيران والمنطقة بأسرها كلفة كبيرة خلال السنوات الماضية.
د.عبدالله عيسى احمد العباسي، مدير برنامج الطاقة والبيئة
آخر تحديث : 6 سبتمبر 2026