الدلالات الاستراتيجية لتفعيل “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”: الرد الجماعي ضد الاعتداءات على المملكة العربية السعودية
“الانتقال الفوري إلى مرحلة التفعيل المؤسسي والتنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وسرعة نشرها في السعودية”، تلك كانت نتيجة اجتماع “لجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية” لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، الذي عُقد في الرياض في 5 أكتوبر 2026م.
وتأتي هذه الخطوة في إطار الاتفاقية التي وُقِّعت في 7 أغسطس 2026م بين كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، والتي صدر بشأنها آنذاك بيان ختامي جاء فيه، من بين ما جاء: “تهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”.
وقبيل الحديث عن دلالات تلك الخطوة المهمة، ينبغي بدايةً التأكيد على أن تلك الاتفاقية تمثل تحولًا نوعيًا ضمن منظومة أمن الخليج العربي لأربعة أسباب.
أولًا: أن ذلك “التحالف”، كما تم توصيفه سياسيًا وإعلاميًا، تقوده دولة خليجية محورية في الخليج العربي، بما يعني تعزيز الاحتياجات الأمنية للمنطقة من خلال قيادة محلية.
ثانيًا: على الرغم من محدودية عضوية ذلك التحالف بثلاث دول فقط، فإنه ربما يكون نواةً لـ”ناتو جديد في المنطقة”، على غرار حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ولا سيما أن جوهر تحالف مكة هو ذاته مضمون المادة الخامسة من حلف الناتو، التي تنص على أن أي اعتداء على دولة من دول الحلف يُعد اعتداءً على الحلف ككل، مما يستوجب الرد الجماعي.
ثالثًا: وضع مقولة إن “أمن الخليج العربي شأن يهم العديد من دول العالم” موضع التطبيق. وكان لافتًا أن أطراف التحالف ليست غربية، ولكن لديها مصالح اقتصادية، سواء في منطقة الخليج العربي، كما هو الحال بالنسبة إلى باكستان وتركيا، أو مصالح استراتيجية في الامتدادات الإقليمية للخليج في القرن الإفريقي، كما هو الحال بالنسبة إلى تركيا.
رابعًا: من خلال تقييم آلية الأحلاف عبر التاريخ، كان أبرزها حلف الناتو الذي تأسس على مفهوم المصلحة، وحلف وارسو الذي تأسس على أيديولوجية؛ نجد أن تحالف مكة يجمع بين الأمرين، فدوله الثلاث إسلامية، وتجمعها مصالح مشتركة.
دلالات التفعيل المؤسسي لتحالف مكة
وبالعودة إلى دلالات التفعيل المؤسسي لتحالف مكة، في تقديري أنها خمس دلالات.
الأولى: رسالة للردع العملي. ويُعرَّف الردع، في أبسط معانيه، بأنه إرسال رسالة إلى الخصوم بأن إقدامهم على عمل عدائي سوف يترتب عليه خسائر تفوق ما يُتوقع تحقيقه من مكاسب. فمنذ البداية، أكد أطراف الحلف أنه ليس هجوميًا وليس موجهًا إلى أي طرف في المنطقة، وإنما ذو طبيعة دفاعية محضة بين دول توافقت إراداتها على تأسيس ذلك الحلف، انطلاقًا من أن التحدي يخلق الاستجابة. فمسائل الدفاع هي حق سيادي لأي دولة، وفي أي توقيت تراه مناسبًا.
الثانية: الطبيعة الإلزامية للتحالف. فعلى نحو مغاير لبعض التحالفات التي شهدتها المنطقة، سواء تلك التي تأسست لغرض محدد وانتهت، مثل التحالف الدولي لتحرير دولة الكويت عام 1991م، أو التحالفات التي كانت عضويتها اختيارية، مثل تحالف حارس الازدهار لحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر عام 2023م، وكلا التحالفين بقيادة الولايات المتحدة، فإن تحالف مكة ذو طبيعة إلزامية، أسفرت عن نشر قوات من أطرافه على أراضي المملكة العربية السعودية، بما يعزز أمن المملكة وقدراتها العسكرية في مواجهة أي اعتداءات على أراضيها.
الثالثة: المأسسة والاستدامة. اتخذ حلف مكة شكلًا مؤسسيًا من خلال وجود مقر دائم له في الرياض وتعيين أول أمين عام له، بما يعني حرص أطرافه على مأسسة التنسيق العسكري وديمومته بشكل ممنهج، سواء خلال الأزمات أو من خلال تطوير التعاون العسكري بين دوله، والاستفادة مما تمتلكه كل دولة من مزايا نسبية.
الرابعة: تداخل الأمن الإقليمي مع الأمن العالمي. من خلال تحليل الخطابات الرسمية الخليجية عبر العقود الماضية بشأن مسؤولية أمن الخليج، كان يجمعها أمر مهم، وهو أن لكافة دول العالم مصلحة استراتيجية في أمن واستقرار منطقة الخليج. وهو ما أكدته تداعيات حرب عام 2026م، التي أوضحت مضامين جديدة للأمن وآثارًا طالت كافة دول العالم، مما حتّم وضع مقولة “انتهاء الحدود الفاصلة بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي” موضع التطبيق.
الخامسة: مواجهة الخلل في توازن القوى الإقليمي. تتمثل المعضلة الحقيقية لأمن الخليج العربي في الخلل في توازن القوى الإقليمي، الذي نتج عن صراعات ممتدة كانت نتيجتها استفادة أطراف إقليمية من توازن جديد للقوى، بل وتأسيس شبكة من الميليشيات المسلحة، بما تطلب تأسيس مثل تلك التحالفات التي تمتلك أطرافها خبرات متنوعة وقدرات عسكرية تتيح مواجهة تلك المخاطر بشكل جماعي.
التحالفات ومستقبل أمن الخليج
إذا كانت منطقة الخليج قد شهدت العدد الأكبر من التحالفات في المنطقة العربية، سواء لحماية الملاحة البحرية أو لرد العدوان، فإن التهديدات الأمنية الجديدة، سواء انتشار الميليشيات المسلحة وتوظيفها للتكنولوجيا العسكرية، أو تهديد الممرات البحرية الدولية، أو محاولات بعض الأطراف الإقليمية صياغة معادلة أمنية إقليمية جديدة يكون عنوانها “الحروب اللامتماثلة”، فإن مواجهة ذلك لن تكون سوى من خلال مثل تلك التحالفات.
وأتوقع ألا تنتهي هذه التحالفات بانتهاء المهمة، بل أن تؤسس لتعاون استراتيجي طويل المدى بين دول تجمعها الكثير من القواسم المشتركة، فضلًا عن المصالح الاستراتيجية، في ظل عالم شهد فيه مفهوم الأمن تغيرًا جوهريًا، وأضحى من الصعوبة بمكان الفصل بين ما هو خليجي وإقليمي وعالمي. وقدمت تهديدات الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب مثالًا واضحًا على ذلك.
المملكة العربية السعودية وقيادة التحالف
وأخيرًا، وليس آخرًا، إذا كانت هناك بوادر تفاؤل بنجاح مثل ذلك التحالف، سواء من حيث الأهداف والمضمون والتوقيت، فإن التفاؤل الأكبر يتمثل في قيادة المملكة العربية السعودية لذلك التحالف، بما يرسخ لمسار جديد في أمن الخليج العربي، يجمع بين رؤية خليجية وامتدادات خارجية.
وفي نهاية المطاف، قد يسهم ذلك في إيجاد معادلة جديدة في أمن الخليج العربي، لن تكون آثارها وقتية، بل سوف تمتد لعقود قادمة، حال توسع ذلك الحلف ليضم أطرافًا أخرى، سواء من المنطقة أو من خارجها.
د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية، مركز “دراسات”