مبادرة الاستثمار المستقبلي، محرك رئيسي للازدهار الإقليمي
تسارعت وتيرة التنمية عبر التاريخ الحديث من خلال أربع ثورات صناعية شهدها العالم منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي فترات شهدت خلالها الاقتصادات العالمية تحولات اقتصادية واجتماعية هائلة.
ومما لا شك فيه أن الثورة الصناعية الخامسة (Industry 5.0) ستُحدث تحولاً جذرياً في طبيعة التعاون بين البشر والآلات ضمن منظومات عمل مشتركة؛ حيث تتضافر تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والهندسة الحيوية، والروبوتات، وحلول الطاقة من الجيل القادم، لتحقيق مستويات أعلى من الاستدامة والكفاءة.
وفي حين تطرح العديد من المنصات العالمية نقاشات حول التوجهات الكبرى القادمة، فقد عملت “مبادرة مستقبل الاستثمار” (FII) -منذ تأسيسها- على ردم الفجوة بين الرؤية والتنفيذ.
وتستعد المبادرة لإطلاق نسختها العاشرة في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وذلك في الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر. وتحت شعارها الجديد “قوة الإرث”، تجمع المبادرة رؤساء دول، وقادة أعمال عالميين، ومبتكرين، وممثلين عن الأوساط العلمية والمؤسسات غير الربحية؛ لقيادة حوارات حول أكثر القضايا إلحاحاً في عصرنا، وطرح حلول توضح كيف يمكن للسياسات والتقنيات أن تُحدث أثراً إيجابياً في الاقتصادات والمجتمعات.
وفي بداياتها، ركزت “مبادرة مستقبل الاستثمار” بشكل أساسي على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحويل الاقتصاد السعودي. ومع مرور الوقت، توسع نطاق تركيزها ليشمل مجالات أوسع ذات تأثير إقليمي -مثل الاستدامة، والطاقة الخضراء، والذكاء الاصطناعي والروبوتات، والتعليم، والرعاية الصحية- بهدف تسريع وتيرة التغيير في مسار الاقتصادات الحديثة.
وقد شهدت النسخة التاسعة من المبادرة أرقاماً قياسية في إبرام الصفقات والشراكات؛ حيث تم توقيع اتفاقيات استراتيجية وتعهدات استثمارية تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدمة، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية. وبذلك، وصلت القيمة التراكمية للصفقات التي دعمتها المبادرة إلى أكثر من 250 مليار دولار. علاوة على ذلك، أُبرمت شراكات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي مع شركات عالمية رائدة في قطاعي التكنولوجيا والاستثمار -مثل “كوالكوم” (Qualcomm)، و”بلاكستون” (Blackstone)، و”هيومان” (Humain)- إلى جانب كيانات تقنية بارزة أخرى.
إن رأس المال المستثمر في المملكة العربية السعودية يمكن أن يمتد أثره ليشمل المنطقة بأكملها؛ فمن خلال الأداء الاقتصادي، وتدفقات رؤوس الأموال، وتطوير البنية التحتية، يمكن لهذه الاستثمارات أن تعود بالنفع على الدول المجاورة عبر تعزيز التبادل التجاري، ونقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل التوريد الإقليمية.
ونظراً للترابط الوثيق بين اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، فإن ضخ استثمارات أولية يمكن أن يُحدث سلسلة من التأثيرات الإيجابية التي تمتد عبر مختلف القطاعات وتتجاوز الحدود الوطنية. يؤدي الطلب على المواد الخام وخدمات النقل وغيرها من الخدمات من الدول المجاورة إلى تحفيز النشاط الاقتصادي بمستويات تتجاوز ما يمكن أن تولده الدولة المضيفة بمفردها؛ مما يعزز حركة التجارة، ويوسع نطاق الصادرات، ويطور رأس المال البشري، ويرفع الإنتاجية في جميع أنحاء المنطقة.
تُعد المملكة العربية السعودية ثاني أكبر شريك تجاري لمملكة البحرين، وهنا تبرز الأهمية القصوى لمبادرة مستقبل الاستثمار (FII) في تعزيز هذا الأثر الاقتصادي الإقليمي. ترتبط البحرين ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد السعودي من خلال التبادل التجاري، والتدفقات المالية، وجسر الملك فهد؛ مما يمنحها ميزة استراتيجية لتقديم الخدمات والحلول اللوجستية والوساطة المالية التي تتطلبها الاستثمارات الكبرى في المنطقة. وتوفر مبادرة مستقبل الاستثمار للشركات البحرينية قناة مباشرة لبناء شراكات مع مستثمرين سعوديين ودوليين، والتوسع في الأسواق الإقليمية. كما تتيح للبحرين تقديم نفسها كوجهة ذات اقتصاد متنوع، تمتلك نقاط قوة راسخة في قطاعات الخدمات المالية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والسياحة، مدعومة ببيئة تنظيمية محفزة للأعمال ومنظومة داعمة للابتكار تتيح للشركات -بمختلف أحجامها- الازدهار والنمو.
وقد بدأت المؤسسات البحرينية بالفعل في استثمار هذه الفرصة؛ حيث مددت مجموعة “جي إف إتش” المالية (GFH Financial Group) شراكتها الاستراتيجية مع مبادرة مستقبل الاستثمار لمدة ثلاث سنوات. وتركز هذه الشراكة على الابتكار العابر للحدود، والاستدامة المؤسسية، والبنية التحتية الاستثمارية في دول مجلس التعاون الخليجي والأسواق الدولية، مما يضع هذه المؤسسة البحرينية في قلب تدفق الصفقات التي تولدها المبادرة.
ولا تقتصر الحركة على اتجاه واحد؛ ففي عام 2022، استخدم صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) منصة مبادرة مستقبل الاستثمار للإعلان عن تأسيس شركة استثمارية مخصصة للبحرين، وهي واحدة من عدة شركات إقليمية تستهدف استثمارات إجمالية بقيمة 24 مليار دولار في الأسواق العربية. وتُظهر هذه الأمثلة كيف تعمل مبادرة مستقبل الاستثمار كقناة ذات اتجاهين: تستخدمها الشركات البحرينية للوصول إلى الفرص الإقليمية، بينما يستخدمها رأس المال السعودي لإيجاد جسر فعّال نحو السوق البحرينية.
والأهم من ذلك هو مدى استدامة هذه الاستثمارات، وقدرتها على خلق شراكات تستمر لما بعد كل دورة من دورات المبادرة، وتعميم فوائدها على الاقتصادات المرتبطة بالدولة المضيفة. وتكمن الفرصة المتاحة للجميع في المشاركة الفاعلة في الزخم الاستثماري الذي تشهده المنطقة، وتحويل الشراكات التي تأسست في الرياض إلى نمو ملموس في الداخل، في ظل التوجه نحو “الثورة الصناعية الخامسة” (Industry 5.0).
ملاحظة: تمت ترجمة هذه المقالة تلقائيًا، والمقالة الكاملة متاحة باللغة الإنجليزية.
علي إبراهيم مصطفى فقيه، محلل أول