حوار المنامة 2026: نحو حلول إقليمية لواقع جيواستراتيجي سريع التحول
تداعيات الصراعات التي تعيد تشكيل المنطقة، وأسس الأمن الإقليمي، وشرق المتوسط بوصفه ملتقى طرق قارية وجسرًا إلى الخليج، والدفاع والصمود والردع ومسارات العقيدة الدفاعية، وأجندة اقتصادية جديدة تنتقل من إعادة الإعمار والتنمية إلى الازدهار، والأمن البحري عند مفترق طرق، وحوكمة الأمن العالمي من منظور الشمول والفاعلية؛ كانت هذه محاور الجلسات العامة السبع لحوار المنامة لعام 2026، الذي ينظمه سنويًا المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في مملكة البحرين؛ وشملت كذلك جلستين خاصتين لإطلاق ملف عن الخليج في الحرب، ولمناقشة الدروس السياسية والأمنية لحرب إيران.
وواقع الأمر أن هذه القضايا، وإن بدت متنوعة، فإنها متكاملة وتلتقي في مسار واحد يمكن التعبير عنه بتساؤل محوري: هل توجد حلول إقليمية لهذه التحديات المتشابكة، التي تتداخل فيها العوامل الإقليمية والدولية وتمتد تداعياتها إلى العالم؟ لقد تعددت الآراء وتنوعت، ويمكنني، من واقع حضوري جميع جلسات الحوار، استخلاص عشر نقاط رئيسية.
أولًا: الردع والدبلوماسية
إذا كان الحديث في حوارات سابقة يُعلي من شأن الدبلوماسية أحيانًا والردع أحيانًا أخرى، فإن من أبرز ما يمكن استخلاصه من مناقشات هذا العام أهمية الجمع بينهما. فالأزمة الممتدة بين الولايات المتحدة وإيران، وما تخللها من مواجهة عسكرية وتهدئة غير مستقرة، تشير إلى أن لكل منهما توقيتًا وأدوات قد تعزز فاعلية الآخر، وأن الهدف ليس بالضرورة خوض الحرب، بل قد يكون منع اندلاعها. ويتصل ذلك بطبيعة حرب عام 2026، التي بدأت في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وبالدور الذي أدته التكنولوجيا العسكرية فيها، فضلًا عن تداخل أدوار الدول مع أدوار جماعات مسلحة من غير الدول في الصراع الإقليمي الأوسع، وما يمثله ذلك من تحديات لسلطة الدولة والأمنين الإقليمي والعالمي.
ثانيًا: الملاحة البحرية واختبار الاستجابة الدولية
رغم أن تهديد الملاحة في الممرات المائية ليس أمرًا جديدًا، إذ استُخدمت هذه الممرات الحيوية، التي تمثل شرايين للتجارة الدولية، مرات عدة في الصراعات الإقليمية خلال العقود الماضية، فإن اضطراب الملاحة وتقييدها في مضيق هرمز منذ أواخر فبراير 2026، أي على مدى نحو ثمانية أشهر حتى انعقاد الحوار، شكّل اختبارًا حقيقيًا للمنظومة الدولية. فقد امتدت التداعيات الاقتصادية والأمنية والإنسانية إلى دول المنطقة والعالم، ووضعت الأسس القانونية والمنظمات المعنية وقدرات الاستجابة أمام تحدٍّ كبير. والمسألة تتجاوز تعطيل الملاحة في مضيق حيوي إلى اختبار قدرة المجتمع الدولي على حماية تدفقات التجارة والطاقة. ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع الممرات المائية الدولية بوصفها مسارات للتنمية والرخاء، وتجنيبها الحروب والصراعات.
ثالثًا: بناء الدولة وحصر السلاح
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها منطقة الخليج العربي تحديات أمنية جراء أزمة إقليمية، لكن تعدد تداعيات الأزمة، التي طالت منشآت حيوية ومدنيين، عزز النقاش بشأن سبل منع تكرارها. ولا يقتصر الأمر على تعزيز الوساطة وتحسين شروط التسويات، بل يشمل دعم مؤسسات الدولة الوطنية في دول الجوار، وتمكينها من بسط سيادتها على أراضيها وحصر السلاح في يد مؤسساتها الرسمية، ومعالجة وضع الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطتها ضمن أطر قانونية وسياسية. ويشمل ذلك أيضًا دعم هذه الدول اقتصاديًا، بما يتطلب تكامل الجهود الإقليمية والدولية. وبعبارة أخرى، فإن بناء دول مستقرة وقادرة على ممارسة سيادتها يُعد أحد الشروط الأساسية لتعزيز الأمن الإقليمي، بالنظر إلى تفاعل دول المنطقة وتأثير بعضها في بعض.
رابعًا: ترابط المصالح والتهديدات
كان لافتًا الحديث عن ترابط التفاعلات بين الخليج العربي وشرق المتوسط وأوروبا، بما يعيد التأكيد على امتداد أمن الخليج إلى ما يمكن وصفه بمفهوم «جوار الجوار». وقد شهد هذا الفضاء، ولا يزال يشهد، تفاعلات صراعية وتعاونية تعكس تشابك المصالح والتهديدات. وفي المجمل، يؤكد ذلك أن التواصل الإنساني والتجاري يتجاوز الحدود الجغرافية، ويفسح المجال أمام مبادرات تستهدف تحقيق الرخاء المشترك، متى توافرت لها الشروط السياسية والأمنية والاقتصادية المناسبة.
خامسًا: القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي
كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة خلال الحوار، وبرز التأكيد على ضرورة تسويتها وفقًا لمبدأ حل الدولتين، بما يتيح إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس خطوط الرابع من يونيو 1967. ويمثل ذلك معالجة لأحد أبرز تحديات الأمن الإقليمي، فيما يُضعف استمرار القضية من دون تسوية عادلة فرص نجاح مبادرات الأمن الإقليمي واستدامتها، حتى إن كانت طموحة وشاملة.
سادسًا: الشراكات الدولية وتنوع المقاربات الأمنية
انطلاقًا من أهمية الشراكات الدولية لدول المنطقة، ولا سيما في مجالي الأمن البحري وأمن الطاقة، استوقفتني مناقشة نماذج للأمن الشامل واستراتيجيات الدفاع الحديثة والقدرة على التكيف والعمل خارج الحدود، فضلًا عن مقاربات الحياد، وما تتضمنه هذه التجارب من دروس يمكن الاستفادة منها.
سابعًا: تلازم الأمن والتنمية
إلى جانب أهمية الجوانب العسكرية للأمن، برز النقاش بشأن تلازم المسارين الاقتصادي والأمني. فإعادة بناء الدول بعد الصراعات ودعم الدول المعرضة للاضطراب لمنع انهيار مؤسساتها مساران متكاملان لتعزيز الأمن الاقتصادي. ويبرز هنا دور الجهات المانحة والدول التي تؤدي دورًا أساسيًا في هذا المجال، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون، إلى جانب المؤسسات المالية الدولية، بالتنسيق مع حكومات الدول المعنية وأولوياتها التنموية.
ثامنًا: تطوير التعاون الإقليمي في الأمن البحري
عند الحديث عن «هندسة الأمن الإقليمي» أو «أقلمة الحلول للأزمات الراهنة»، يبرز الأمن البحري نموذجًا واضحًا. ففي تقديري، ثمة حاجة إلى تطوير أطر إقليمية مستدامة للتعاون، حتى لا تظل مواجهة التهديدات رهينة تحالفات مؤقتة أو تغير موازين القوى. وتبقى للشراكات الدولية، بما فيها التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا والهند والصين، أهميتها في هذا المجال. كما تتيح تجارب أمن الملاحة في مناطق أخرى دروسًا مفيدة لدول مجلس التعاون. عرضت سنغافورة في الحوار تجربتها في دوريات مضيق ملقا بالتعاون مع إندونيسيا وماليزيا وتايلاند، بوصفها مثالًا عمليًا للتعاون بين بعض دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا «آسيان». ويعزز تطوير الآليات الإقليمية الأمن في المنطقة، في وقت يتزايد فيه الترابط بين أمن الطاقة والأمن البحري.
تاسعًا: الانتقال من القواعد إلى التنفيذ
مع أهمية الاتفاقيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة بالأمن الإقليمي، الذي لا ينفصل عن الأمن العالمي، تبرز حاجة ملحة إلى آليات تضمن وضعها موضع التطبيق ومتابعة تنفيذها. ففاعلية هذه القواعد ترتبط بقدرة الأطراف المعنية على ترجمتها إلى إجراءات عملية، خاصة مع تزايد التهديدات الأمنية الإقليمية وتنوعها.
عاشرًا: حسن الجوار وبناء الثقة
تضمنت مناقشات الحوار تأكيدًا على تمسك دول مجلس التعاون بمبادئ حسن الجوار، والانفتاح على الأطراف الإقليمية التي تلتزم باحترام السيادة وعدم التدخل وحماية الملاحة وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية. وفي الحالة الإيرانية، تبرز أهمية خطوات عملية قابلة للتحقق لاستعادة الثقة وتطوير العلاقات. وفي تقديري، تتحمل إيران مسؤولية رئيسية في هذا المسار، من خلال ترجمة التزامها بحسن الجوار إلى أفعال تحترم سيادة دول المنطقة وأمنها.
خاتمة
انعقد مؤتمر حوار المنامة هذا العام في ظروف مختلفة عن الأعوام السابقة، وهو ما انعكس على جدول أعماله ومناقشاته. وتقودني قراءة هذه المناقشات إلى أن دول المنطقة مدعوة إلى تطوير آليات إقليمية للتعامل مع تحديات أفرزها واقع جيواستراتيجي سريع التحول، وقد تمتد آثارها لسنوات مقبلة. ويتطلب ذلك رؤى استراتيجية تأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة والقدرات الجماعية والخطط العملية، بما يسهم في تحقيق توازن قوى أكثر استقرارًا، إلى جانب احترام القانون الدولي وتعزيز مؤسسات التعاون، بوصفها مقومات لترتيبات الأمن الإقليمي المقبلة.
يظل تعزيز مؤسسات مجلس التعاون لدول الخليج العربية وآليات العمل الدفاعي المشترك ركيزة أساسية للترتيبات الإقليمية المقبلة. ويمكن البناء على جهود عامي 2025 و2026، ومنها قرارات مجلس الدفاع المشترك بشأن تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتمارين المشتركة، مع مواصلة استكمال التكامل الدفاعي وتعزيز التنسيق والاستجابة الجماعية.
د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية، مركز «دراسات»