اجتماع مجلس التنسيق السعودي البحريني: رؤية استراتيجية ومبادرات عملية
يمثل الاجتماع الرابع لمجلس التنسيق السعودي البحريني، المنعقد في المنامة في 3 ديسمبر 2025م برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في مملكة البحرين حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية الشقيقة، نقطة تحول بارزة في المسار المتنامي للتكامل الثنائي، إذ شهد مجلس التنسيق السعودي البحريني منذ تأسيسه في 28 يوليو 2019م تطورًا من منصة للتشاور الدوري إلى منظومة مؤسسية تمتلك أدوات فاعلة للمتابعة والتقييم، وتضطلع بتنفيذ مبادرات استراتيجية عابرة للقطاعات، تتقاطع مع أولويات الطاقة والاقتصاد والتحول الرقمي. ويعكس هذا التطور ترسيخًا لنهج يقوم على التخطيط المؤسسي والعمل المنهجي لضمان تحقيق الأثر.
وجاءت مخرجات الاجتماع لتعكس هذا التوجه؛ إذ أُعلن عن حزمة خطوات نوعية تشمل البدء التدريجي في الربط الإلكتروني عبر جسر الملك فهد، وتفعيل بوابات الجوازات الإلكترونية في المنافذ الجوية، وتسهيل إثبات المنشأ للمنتجات البحرينية، بالإضافة إلى مشاريع استراتيجية في الطاقة والاتصالات، منها إنشاء مركز بيانات متكامل ومد كابل ألياف ضوئية بحري، واستثمارات موسعة في قطاعي الكهرباء وتحلية المياه، وتمثل هذه المشاريع توسعًا في بنية الربط الاقتصادي، وتعزيزًا لمرونة سلاسل الإمداد، ودعمًا لجهود التحول الرقمي في البلدين.
كما يعكس توقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم – لا سيما تلك المتعلقة بتجنب الازدواج الضريبي، وتشجيع الاستثمار المباشر، والتعاون في الدراسات الدبلوماسية، والسلامة النووية، والتأهيل في قطاع الخطوط الحديدية – اتجاهاً واضحًا نحو توسيع نطاق التكامل ليشمل الجوانب التنظيمية والمعرفية والتقنية، إذ يبرز هذا التوجه قدرة مجلس التنسيق السعودي البحريني على تطوير نموذج تعاون أكثر شمولًا واستدامة، عبر مواءمة السياسات ودعم البيئة الاقتصادية المشتركة.
وتبيّن المؤشرات الاقتصادية عمق هذا المسار، إذ شهد التبادل التجاري ارتفاعًا من 11.5 إلى 12.9 مليار دولار بين عامي 2023 و 2024م، في حين اتخذت الاستثمارات المشتركة منحًى متصاعدًا، خصوصاً في المشاريع التنموية التي يشرف عليها الصندوق السعودي للتنمية بقيمة تزيد عن عشرة مليارات ريال سعودي، بما يؤكد عمق الالتزام بتعزيز مسارات التنمية والبنية التحتية.
ويأتي الاتفاق على عقد الاجتماع الخامس في المملكة العربية السعودية ليُكرّس استمرارية هذا الزخم، وتجسيد رؤية تقوم على تحويل التعاون الثنائي إلى منظومة إنتاجية تستهدف بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، مدفوعة بإرادة سياسية واعية تُدرك أن التكامل خيار استراتيجي يفرضه واقع المرحلة وتحدياتها.
تسنيم عبدالله عيسى
باحث مساعد بإدارة الدراسات والب