استراتيجية البحرين البحرية: توجيه دفة المملكة نحو التنافسية العالمية
كشفت مملكة البحرين عن استراتيجية وطنية شاملة للقطاع البحري، في خطوة بارزة نحو تحويل المملكة إلى مركز إقليمي رائد للتجارة والخدمات اللوجستية. وقد أُعلن عن الاستراتيجية من قبل سعادة الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات، حيث تأتي متوافقة مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وتهدف إلى تعزيز دور المملكة كلاعب محوري في منظومة الاتصال البحري العالمية.
تمثل هذه الاستراتيجية خارطة طريق للنمو المستدام، وتتركز على تحديث البنية التحتية للموانئ، ورقمنة العمليات البحرية، ودمج التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي في إدارة اللوجستيات. كما تهدف إلى جذب الاستثمارات عالية القيمة وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لضمان التنفيذ الفعّال.
وتحوّل هذه المنظومة الوطنية رؤية البحرين إلى مشاريع عملية تهدف إلى رفع كفاءة إدارة سلاسل التوريد، وتسهيل حركة التجارة، وتعزيز الاستدامة البيئية. وتؤكد الحكومة أن المبادرة لا تقتصر على تطوير الموانئ فحسب، بل تشمل التحول الرقمي، والممارسات الخضراء، وتنمية رأس المال البشري لضمان قدرة طويلة الأمد على التكيف.
وتعكس الأرقام الأخيرة تصاعد زخم البحرين؛ إذ يسهم قطاع الخدمات اللوجستية بحوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يشهد نشاط الموانئ نمواً مستمراً، حيث يتولى ميناء خليفة بن سلمان مناولة مئات الآلاف من الحاويات سنوياً. ومن المتوقع أن تسهم الاستراتيجية في زيادة حصة البحرين من التجارة البحرية الإقليمية، وجذب تدفقات أكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مجالات اللوجستيات والتخزين وتقنيات سلاسل الإمداد.
كما تدعم الاستراتيجية جهود البحرين الأوسع لتنويع الاقتصاد بعد مرحلة النفط. ومن المرتقب أن يلعب القطاع البحري دوراً محورياً في ربط الاقتصاد البحريني بالأسواق العالمية، خصوصاً مع تنامي حركة التجارة عبر الخليج وظهور ممرات شحن جديدة. ويمنح الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة — الواقع بين أهم الممرات التجارية الآسيوية والأوروبية — ميزة قوية في مجال إعادة الشحن والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة.
وتتضمن الاستراتيجية أيضاً أهدافاً واضحة للاستدامة البيئية، من خلال تشجيع اعتماد معايير الشحن الأخضر واستخدام الأتمتة الذكية للحد من الانبعاثات الكربونية. وقد أكد سعادة الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة أهمية بناء منظومة بحرية resilient، قائمة على التكنولوجيا والمسؤولية البيئية، تحفظ الموارد للأجيال القادمة.
وشهدت منطقة البحرين اللوجستية مؤخراً استضافة ورشة العمل الوطنية البحرية، بمشاركة كبار المسؤولين وقادة القطاع الخاص والخبراء، بهدف توحيد الأولويات الوطنية. وتركزت المناقشات على خطوات عملية لتحسين حوكمة الموانئ، والأنظمة الرقمية، وتنمية الكفاءات — باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز تنافسية البحرين.
وعلى المدى الطويل، من المتوقع أن تسهم هذه الاستراتيجية في تعزيز نمو الناتج المحلي عبر تنويع مصادر الدخل المرتبطة بالتجارة، وتعميق اندماج البحرين في سلاسل القيمة العالمية. وباختصار، تمثل الاستراتيجية البحرية للبحرين أكثر من مجرد سياسة نقل؛ فهي استثمار استراتيجي في البنية الاقتصادية المستقبلية للمملكة. ومن خلال الدمج بين الابتكار والاستدامة والشراكة مع القطاع الخاص، ترسّخ البحرين مكانتها كدولة بحرية مستقبلية قادرة على منافسة الاقتصادات الإقليمية الكبرى وتعزيز سمعتها كبوابة موثوقة للتجارة العالمية.
منى الرصيص, محلل