الأمن الوطني بين التهديدات الإقليمية والحماية الجنائية
تشهد البيئة الدولية بين الحين والآخر تطورات سياسية وأمنية متسارعة قد تنعكس آثارها على الأنظمة القانونية الوطنية، ولا سيما في الدول التي تتفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي في إطار منظومة الأمن الجماعي والتعاون الدفاعي. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل قانوني مهم يتعلق بكيفية تعامل التشريعات الوطنية مع الظروف المرتبطة بالحروب أو التوترات العسكرية، وخاصةً فيما يتعلق بكيفية حماية أمن الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية، وما قد يترتب عليها من آثار قانونية تتصل بتشديد العقوبة على بعض الأفعال التي تمس الأمن الوطني.
وفي هذا الإطار، تتعامل التشريعات الجنائية في عدد من الدول، كما هو الحال في مملكة البحرين ودول الخليج العربي وغيرها، مع الأفعال التي تمس أمن الدولة الخارجي والداخلي، إذ خصصت نصوصًا تتناول الجرائم الماسة بأمن الدولة بشقّيها الخارجي والداخلي، تتضمّن مجموعة من الأفعال التي تشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة الدولة أو قدراتها الدفاعية. ويظهر من هذا التنظيم التشريعي أن المشرّع قد وضع إطارًا جنائيًا يوفر حمايةً خاصة لأمن الدولة في الظروف التي تستوجب تشديد العقوبة على بعض الجرائم.
وتتعدد صور السلوك الإجرامي التي قد تمس أمن الدولة، ومن أبرزها التخابر مع دولة أجنبية أو جهة معادية بما يؤدي إلى الإضرار بالمصالح العسكرية أو السياسية للدولة، أو إفشاء أسرار الدفاع والمعلومات العسكرية التي تمثل أهمية استراتيجية للأمن الوطني. كما تشمل هذه الأفعال تقديم العون أو المساعدة للعدو بأي صورة كانت، أو الإضرار بالمنشآت العسكرية أو المرافق الحيوية المرتبطة بالدفاع الوطني، أو تعطيل الوسائل والمعدات المجهّزة للدفاع عن الدولة.
وقد تمتد هذه الأفعال لتشمل نقل المعلومات أو البيانات التي من شأنها الإضرار بالمركز الحربي أو السياسي للدولة، أو تصوير مواقع الاعتداء أو آثار العمليات العدائية أو نشرها أو إعادة نشرها، في مخالفة للتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، لما قد يترتب على ذلك من التأثير على الجهود المبذولة للتعامل مع هذه الأحداث، أو الإضرار بالأمن العام وسلامة المجتمع. كما قد تتحقق المسؤولية الجنائية في حال تمجيد تلك الأعمال العدائية أو إظهار التأييد لها بأي صورة كانت.
ولا يقتصر هذا التوجه على نطاق وطني بعينه، بل يظهر في تجارب إقليمية ودولية متعددة، إذ اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي إلى تبنّي إجراءات متقاربة للحد من نشر أو تداول المحتوى المرتبط بالأعمال العدائية، كما برز ذلك في الحالة الأوكرانية التي فرضت قيودًا على نشر الصور والمعلومات المتعلقة بمواقع القصف أو التحركات العسكرية، حفاظًا على سلامة العمليات الجارية، ما يعكس أن هذه التدابير تمثل نهجًا متعارفًا عليه في إدارة الأزمات.
ويرتكز تشديد العقوبة في هذه الجرائم على إدراك المشرّع لخطورة الأفعال التي تقع في ظروف التهديدات الخارجية، إذ إن الأفعال التي قد تبدو محدودة الأثر في الظروف العادية قد تتحول في مثل هذه الظروف إلى تهديد مباشر لقدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية أو الحفاظ على استقرارها الداخلي. لذلك تتجه السياسة الجنائية في التشريعات إلى تشديد العقوبات على الجرائم التي تمس أمن الدولة في مثل هذه الظروف بوصفها اعتداءً خطيرًا على الأمن القومي.
وتعد هذه الأحكام الجنائية إطارًا قانونيًا وقائيًا يهدف إلى حماية أمن الدولة والمجتمع في الظروف الاستثنائية التي قد تفرضها مثل هذه التطورات، بما يحقق التوازن بين صون الحريات العامة ومتطلبات حماية الأمن الوطني.
ولا يقتصر دور هذه الحماية على الأجهزة الرسمية، بل يمتد ليشمل المجتمع والإعلام بوصفهما جزءًا من منظومة الأمن الوطني، إذ إن الوعي في التعامل مع المعلومات وتداولها يمثل أحد عناصر الاستقرار، ويُسهم في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات التي تفرضها مثل هذه الظروف.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الوعي القانوني والمسؤولية المجتمعية في دعم الجهود الرامية إلى حماية الأمن والاستقرار، بما يقتضي من الجميع الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية، وتجنّب نشر المعلومات غير الموثوقة أو الممارسات التي قد تؤثر في الأمن العام أو تضعف الثقة في مؤسسات الدولة. كما تبرز في مثل هذه الظروف أهمية تماسك المجتمع والالتفاف حول القيادة، والعمل بروح المسؤولية الوطنية، بما يسهم في دعم كل ما من شأنه حفظ أمن الوطن وصون استقراره.
د. عبدالله ناصر البوفلاسة، زميل غير مقيم في مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة
