الأهمية الاستراتيجية لتمرينات المحاكاة خلال حالات الطوارئ

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / الأهمية الاستراتيجية لتمرينات المحاكاة خلال حالات الطوارئ

في 20 يناير 2026م، أعلنت شركة مطار البحرين، بالتعاون مع هيئة الطيران المدني في مملكة البحرين، عن إجراء تمرين إخلاء جزئي في مطار البحرين الدولي، شارك فيه عدد من موظفي الشركة ومجموعة طيران الخليج، وبالتعاون مع عدد من الشركاء الاستراتيجيين داخل المملكة. ووفقاً لمسؤولي الشركة، استهدف هذا التمرين ثلاثة أهداف؛ الأول: اختبار فاعلية خطط الإخلاء في حالات الطوارئ، وذلك لضمان أعلى مستويات الجاهزية لدى جميع فرق الاستجابة للطوارئ من خلال تمارين المحاكاة. الثاني: تعزيز التنسيق الفعال والتعاون المشترك بين الجهات المعنية، وخاصةً مع شركاء مطار البحرين. الثالث: تقييم بروتوكولات السلامة والأمن وتطويرها بشكل دائم للحفاظ على أعلى المعايير الدولية.

وواقع الأمر أن ذلك التمرين يأتي ضمن سلسلة من التمارين المهمة في هذا الاتجاه في العديد من مؤسسات المملكة، كغيرها من دول الخليج العربي ودول المنطقة، التي أولت تلك التمارين أهمية بالغة  انطلاقاً من ثلاثة اعتبارات؛ الأول: ارتباط ذلك النوع من التمرينات بالأزمات، والتي أجمعت عليها كافة أدبيات العلوم السياسية بأنها حدث مفاجئ يتطلب قراراً حاسماً في وقت محدود في ظل نقص المعلومات أو تضاربها، ومن ثم فإن الوعي بالتصرف خلال الأزمات يحد من تداعياتها السلبية. الثاني: تغير مضامين التهديدات الأمنية، فلم تعد الهجمات الإرهابية تقليدية فحسب، بل أضحت الهجمات السيبرانية خطراً  هائلاً، وخاصةً على المنشآت الحيوية للدول مثل المطارات والموانئ. الثالث: طبيعة تلك التمرينات ذاتها، إذ تحاكي أزمة حقيقية، لذا فإن مردودها ذو قيمة مضافة، من خلال التعرف على القدرات والتحديات، وتحديد الفجوات إن وُجِدَت، ومن ثم اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة.

وفي تقديري، إن لتلك التمرينات أهمية استراتيجية، ليس فقط لثقل خبرات الأفراد المعنيين خلال حالات الطوارئ، وإنما أيضاً لترسيخ التنسيق بين الجهات المختلفة بشكلٍ متناغم. ولمملكة البحرين تجربة مهمة في التنسيق خلال الأزمات، إذ تحافظ تلك الجهات على أهبة استعدادها، من خلال أدوار ومهام محددة في العمليات كافة، سواءً في حالات الإخلاء الفوري أو مواجهة التهديدات الطارئة.

ومع أهمية تمرينات المحاكاة خلال الطوارئ، فقد لوحظ أنها تختلف باختلاف أولويات واحتياجات الدول. فعلى سبيل المثال، تشهد مملكة البحرين تحولاً رقمياً ملحوظاً بوتيرة متسارعة، ضمن خطة التنمية المستدامة، ومن ثم يوجد ربط واضح بين حالات الطوارئ والتكنولوجيا، التي أصبحت عابرة لكافة المجالات. ففي أغسطس 2025م، نظم المركز الوطني للأمن السيبراني في مملكة البحرين  التمرين السيبراني الوطني، تحت شعار “هجمات سلاسل الإمداد”. بينما لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، حرص في المشاركة في تمرينات الاستجابة للطوارئ النووية والإشعاعية، والتي تستهدف اختبار قدرات الدول على الاستجابة السريعة، والتبليغ المبكر في حالات الطوارئ، انطلاقاً مما لديها من مفاعلات نووية للأغراض السلمية.

وبناءً على الأهمية الاستراتيجية لموقع دول الخليج العربي، ودورها المتنامي في التفاعلات الإقليمية والدولية، فإن تحقيق معايير السلامة وضمان عمل منشآتها الحيوية مثل المطارات والموانئ يعزز من سمعتها الدولية، ويكرّس دورها كشريك فاعل لكافة القوى الفاعلة في العالم. ويُلاحَظ أنها تسير في ثلاثة مسارات متوازية؛ الأول: المسار العملي، من خلال الوتيرة الدورية لتلك التمرينات، سواءً داخل المؤسسة ذاتها أو بين المؤسسات، لتحديث خطط المواجهة بما يتلاءم مع تغيّر التهديدات ذاتها. والثاني: المسار الأكاديمي، إذ لوحظ أن العديد من كليات الدفاع الوطني والشرطة في دول الخليج العربي أضحى لديها مقررات دراسية حول إدارة الأزمات والكوارث، والتخطيط لحالات الطوارئ المدنية، وهو توجه مهم للغاية لأن التاريخ يزخر بتجارب عديدة لدول تتشابه ظروفها مع دول الخليج العربي. ومن المهم التعرف على الدروس المستفادة، بالإضافة إلى كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في عمل نماذج محاكاة خلال حالات الطوارئ. المسار الثالث: حرص دول الخليج على امتلاكها لاستراتيجية موحدة لحالات الطوارئ، التي يمكن مواجهتها بشكلٍ جماعي، من خلال “مركز مجلس التعاون لإدارة حالات الطوارئ” التي تواجه المنطقة، الذي تأسس في عام 2013م ومقره دولة الكويت، والذي يؤدي دوراً مهماً في رصد تلك المخاطر والتهديدات، انطلاقاً من حالة التوتر الإقليمي المزمنة وتأثيرها على أمن دول الخليج العربي. فعلى سبيل المثال، تم الإعلان عن تفعيل دور المركز خلال المواجهات بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025م، لاتخاذ الإجراءات الوقائية على المستويات البيئية والإشعاعية، الوارد تأثرها من جرّاء أي تسرّبات نووية متوقعة، وتبادل المعلومات مع الجهات المعنية في الدول الأعضاء.

وخلاصة القول هو أن تمرينات المحاكاة عموماً أضحت مثار اهتمام دول العالم كافة، وهي جزء أساسي من التمرينات العملية والمؤسسات الأكاديمية على حدٍّ سواء.   

د. أشرف محمد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية مركز “دراسات”

آخر تحديث : 27 يناير 2026