• 0097317754757
  • info@derasat.org.bh

الاجتماع السابع للمجموعة الاستشارية للناتو بدولة الكويت   

الرئيسية / الأبحاث والتحليلات / الاجتماع السابع للمجموعة الاستشارية للناتو بدولة الكويت   

في يومي 8 و 9 ديسمبر 2025م، استضافت دولة الكويت الاجتماع السابع للمجموعة الاستشارية للسياسات لمبادرة إسطنبول لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، الذي شارك فيه ممثل الأمين العام للحلف للجوار الجنوبي، خافيير كولومينا، وممثلين عن الدول الأعضاء في الحلف ذوي الصلة بالاستشارات السياسية، فضلاً عن ممثلي دول مبادرة إسطنبول للتعاون مع الحلف. وقبل الخوض في أهمية ونتائج هذا الاجتماع، تجدر الإشارة إلى أن حلف الناتو أطلق مبادرة إسطنبول للتعاون في عام 2004م خلال قمة الحلف بمدينة إسطنبول التركية، مبرراً إطلاقها بوجود بيئة أمنية متغيرة تتطلب التعاون بين الحلف وشركاء جدد، وتغير مهام الحلف ذاته، إذ اضطلع بمهام لحفظ السلام، ووجود ديناميكية جديدة في منطقة الخليج العربي ذاتها. وحدد الحلف مبادئ لذلك التعاون، وهي أنه يقدم قائمة لمجالات التعاون الأمني ولكل دولة حرية الاختيار منها، مع الأخذ في الاعتبار السياقين السياسي والثقافي للدول التي ستنضم إلى تلك المبادرة. وأخيراً، تكامل المبادرة مع المبادرات الأخرى في المنطقة وعدم التصادم معها.  

تنضوي مجالات التعاون تحت ستة محاور أساسية، وهي: الإصلاحات في مجال الدفاع، والتعاون العسكري، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة مخاطر أسلحة الدمار الشامل، وأمن الحدود، والتخطيط لحالات الطوارئ المدنية. وقد تعددت آليات التعاون بين الحلف والدول الشريكة في المبادرة، أبرزها ثلاث آليات؛ الأولى: افتتاح المركز الإقليمي لحلف الناتو  ومبادرة إسطنبول للتعاون بدولة الكويت في عام 2017م، ويقدم سلسلة من الدورات في القضايا الأمنية المشتركة بين الجانبين. والثاني: تعيين حلف الناتو لممثل للجنوب وهو السيد خافيير كولومينا، ويُعد حلقة الوصل بين الحلف والشركاء من دول الجنوب. والثالث: تأسيس المجموعة الاستشارية للحلف وتتكون من ممثلي الدول الأعضاء في الحلف، سواءً كانوا وزراء أو مستشارين معنيين بتحديد مجالات التعاون مع الشركاء، وتعقد اجتماعاتها بشكل دوري في دول مبادرة إسطنبول، حيث استضافت مملكة البحرين الاجتماع الخامس في عام 2023م، ودولة قطر الاجتماع السادس في عام 2024م، وأخيراً الاجتماع السابع في الكويت في ديسمبر 2025م. 

وعلى الرغم من أن اجتماع المجموعة الأخير هو اجتماع دوري كما ذُكر سابقاً، فقد اكتسب أهميته من ناحيتين؛ الأولى: أنه الاجتماع الأول الذي يعقد برعاية وزارة الخارجية الكويتية، ما يؤكد الحرص على تعزيز ودعم دور مركز الحلف بالكويت – الذي كان مقراً لذلك الاجتماع – وهو ما يفضي في النهاية إلى المُضي قدماً نحو تطوير مبادرة إسطنبول ذاتها. فخلال افتتاح الاجتماع، أشار الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، نائب وزير الخارجية بدولة الكويت، إلى أن “استضافة الكويت لهذا الاجتماع تعكس التزامها الراسخ بالحوار البنّاء، وتعزيز التعاون الأمني مع شركائها الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم حلف الناتو”. والثانية: اختيار الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني كموضوعين رئيسيين على جدول أعمال الاجتماع، ما يعكس إدراكاً  أطلسياً – خليجياً مشتركاً بتغير مفهوم الأمن ومهدداته من ناحية، وحتمية تكامل الأدوار الدولية مع نظيرتها الإقليمية من ناحية ثانية، لمواجهة تلك المستجدات الأمنية، وهو ما أشار إليه صراحةً ممثل الأمين العام للحلف الخاص بالجنوب خافيير كولومينا. 

ومع أهمية ما سبق، فإن مرور أكثر من عشرين عاماً على إطلاق تلك المبادرة (2004-2025م) – التي أطلقت في ظل بيئة أمنية إقليمية وظروف دولية مغايرة لمثيلاتها الراهنة – يثير تساؤلات مهمة لدى كافة الشركاء وكذلك الباحثين المعنيين بتقييم سياسات الحلف ضمن تلك المبادرة ويمكن حصرها في خمسة تساؤلات؛ الأول: إذا كانت الشراكة تستهدف تحقيق ما أطلق عليه الحلف خلال طيلة تلك السنوات “القيمة المضافة للأمن”، وفي ظل تغير طبيعة الأمن ذاته، فهل لدى الحلف استعداد لدعم قدرات دول الخليج العربي في مجال التكنولوجيا العسكرية؟ صحيحٌ أن هناك ما يسمى بلوائح التصدير وهناك قيود مؤسسية في الحلف ذاته، الذي يضم 32 دولة، ما يعني أن اتخاذ قرارات من هذا النوع لن يكون سهلاً، ولكن ما هو المدى الذي يمكن للحلف التحرك فيه لتقديم قيمة مضافة للشركاء من دول الخليج العربي في هذا المجال؟ والثاني: في ظل استمرار تهديدات الأمن البحري، وخصوصاً في مضيق باب المندب، ما هو الدور الذي يمكن أن يضطلع به الحلف – استقلالاً عن أو تكاملاً مع – الأدوار الدولية الأخرى في هذه المنطقة؟ والثالث: ضمن اهتمام حلف الناتو بالجنوب عموماً، والمتمثل في تعيين ممثل خاص للجنوب وهي خطوة مهمة، هل يمكن أن تحظى دول الخليج العربي باهتمام أكبر ضمن ذلك المفهوم الأوسع؟ والرابع: من بنود مبادرة إسطنبول مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهي قضية مهمة للغاية، فهل توجد استراتيجيات جديدة للحلف في هذا الشأن؟ والخامس: هل توجد استراتيجيات لتعزيز التعاون بين حلف الناتو والمنظمات الإقليمية، ومنها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بالتوازي مع الشراكات الثنائية مع أعضاء المجلس؟ 

نورد التساؤلات السابقة على سبيل المثال لا الحصر، انطلاقاً من حقيقة مؤدّاها أن الشراكة تُبنى على التزامٍ حقيقي من طرفيها، فضلاً عن أهميتها في تقديم قيمة مضافة في كافة مجالات الشراكة، لأن دول الخليج العربي تحظى بشراكات دولية عديدة بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي ودورها الإقليمي الصاعد. وأخيراً، سُبُل تطوير مبادرة إسطنبول ذاتها انطلاقاً من التغير الجذري الذي طرأ على المشهد الإقليمي والعالمي خلال أكثر من عقدين على إطلاق المبادرة. وربما يكون من المفيد تحديد الأولويات والمدى الزمني وسُبُل التنفيذ لشراكة كانت – ولا تزال – مهمة لطرفيها: دول الخليج العربي – باحتياجاتها الأمنية، وحلف الناتو – مع دوره الجديد خارج أراضيه بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة، لذا فمن شأن أجندة ونتائج ذلك الاجتماع السابع أن تحدد المسار المستقبلي للشراكة بين الحلف وشركائه من دول الخليج العربي

د. أشرف محمد كشك ،مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

آخر تحديث : 15 ديسمبر 2025