• 0097317754757
  • info@derasat.org.bh

التمرينات  البحرية ضرورة استراتيجية لزيادة القدرات: الموج الأحمر 8 نموذجاً

الرئيسية / Uncategorized / التمرينات  البحرية ضرورة استراتيجية لزيادة القدرات: الموج الأحمر 8 نموذجاً

خلال الفترة من11 إلى 13 نوفمبر 2025م، استضافت القوات البحرية الملكية السعودية، وبمشاركة  عدد من القوات الأخرى داخل المملكة، التمرين البحري المختلط “الموج الأحمر 8” في قاعدة الملك فيصل البحرية التابعة للأسطول الغربي، فضلاً عن مشاركة عدد من الدول  المطلة على البحر الأحمر، ومراقبين من كلٍّ من باكستان وموريتانيا، وقد استهدف ذلك التمرين – وفقاً لقائد الأسطول الغربي بالمملكة وقائد التمرين – “تعزيز التعاون الدفاعي والتكامل الأمني بين الدول المشاركة، وتوحيد الجهود لتعزيز أمن البحر الأحمر وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية، وضمان حرية الملاحة وخطوط الإمداد العالمية، بما يسهم في حماية أمن الطاقة والتجارة الدولية”.

وبدايةً ينبغي التأكيد على أن انطلاقة هذا التمرين كانت في عام 2018م – “الموج الأحمر 1” – أي قبل زيادة وتيرة تهديدات الأمن البحري على النحو الحالي، وربما ما زالت تداعيات القرصنة في تلك المنطقة منذ عام 2008م تلقي بظلالها على الأمن الإقليمي . ولكن منذ وقتٍ بعيد، أدركت المملكة العربية السعودية ضرورة تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر، ليس فقط كضرورة استراتيجية وإنما تنموية ضمن المشروعات الطموحة للسعودية والمطلة على البحر الأحمر، وذلك ضمن رؤية جماعية تنطلق من قدرات الأطراف الإقليمية لحماية الملاحة في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم.

ومع أهمية اهتمام السعودية بمواجهة تهديدات الأمن البحري، يأتي تمرين هذا العام في ظل عدة متغيرات مهمة. فداخلياً، أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري في المملكة إلى (24.89%) بنهاية عام 2024م، ولا شك أن هذا سوف ينعكس على الصناعات البحرية في المملكة. وعلى المستوى الإقليمي، تطورت نوعية تهديدات الأمن البحري بفعل التكنولوجيا، إذ تشير التقديرات إلى زيادة نسبة حوادث السفن بين 30 و 35% خلال عامي 2024 و2025م بسبب فقدان الاتصال بنظم الملاحة البحرية، التي تعرضت لتشويش غير مسبوق خلال احتدام الصراعات الإقليمية. هذا بالإضافة إلى إثارة موضوع كيفية تأثير تهديدات الأمن البحري على الأمن القومي للدول عموماً، خلال حوار المنامة الحادي والعشرين المقام في نوفمبر الحالي، حيث أشار المتحدثون إلى أن قطع أربعة كابلات بحرية في البحر الأحمر خلال عام 2024م كان له تأثير بالغ على حركة البيانات بين آسيا وأوروبا، وعكس هشاشة البنية التحتية الحيوية في قطاع البحار. وأخذاً في الاعتبار تكلفة مد تلك الخطوط وكذلك الفترة الزمنية اللازمة لإصلاحها، فإن ذلك يعني وجود حاجة ماسة لكافة الأطراف الإقليمية والدولية للتعاون الفعال من أجل التصدي لتلك التهديدات الجديدة.

وعَوْدٌ على بدء، فمع أهمية الدور المحوري الذي تضطلع به القوات البحرية الملكية السعودية في حماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر، توجد قناعة لدى السعودية بأهمية الإطار الإقليمي في هذا الصدد، ومن أدلتها المؤتمر الذي استضافته المملكة في سبتمبر 2025م لمناقشة “سبل دعم قوات خفر السواحل اليمنية وتعزيز أمن البحر الأحمر”، وشاركت فيه 40 دولة من بينها بريطانيا،وقد أسفر المؤتمر عن وعود الدول المشاركة بدعم قدرات خفر السواحل اليمنية من خلال تقديم زوارق دوريات بحرية وأنظمة رادار ساحلية، ومراكز قيادة حديثة وبرامج تدريب متقدمة، وقد تعهدت السعودية بتقديم 4 ملايين دولار لدعم خفر السواحل اليمني. فاضطراب الأمن البحري هو نتيجة لحالة عدم الاستقرار الإقليمي، ومن أعراضها ضعف القدرات البحرية للدول التي تشهد صراعات ولها سواحل بحرية ممتدة، كحال اليمن وسواحله الممتدة على البحر الأحمر. لذلك كانت المملكة سباقة في إيجاد إطار إقليمي من أولوياته تأمين الملاحة في تلك المنطقة، من خلال مبادرة تأسيس مجلس الدول العربية المطلّة على البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2020م، الذي يضم ثمان دول ومقره الرياض.

ومع أهمية نسخة التمرين للعام الحالي 2025م، فإنها تحمل في طياتها مؤشرين مهمين؛ أولهما: ما تضمنته من محاضرات وتمارين حول الحرب الإلكترونية وسبل مواجهة تهديدات الزوارق البحرية السريعة – وهي أحد مظاهر الحرب اللامتماثلة ضمن النطاق البحري. وثانيهما: دعوة مراقبين من كلٍّ من باكستان – التي وقعت معها السعودية “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك” في سبتمبر 2025م، وموريتانيا التي تمتلك سواحل يزيد طولها عن 750 كم على المحيط الأطلسي، وتواجه تهديدات عديدة للأمن البحري، من بينها القرصنة البحرية. 

 إن استمرار التنسيق بين المملكة السعودية وشركائها وحلفائها لمواجهة تهديدات الأمن البحري يبقى متطلّباً مهماً نظراً لطبيعة تلك التهديدات النوعية، وبالتوازي مع ذلك، تُعد زيادة استعداد وجاهزية القوات البحرية السعودية ضرورة استراتيجية، انطلاقاً من ترادف الأمن البحري مع الأمن القومي للدول بمعناه الشامل.

   د. أشرف محمد كشك

مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية  

آخر تحديث : 25 نوفمبر 2025