الجسور ليست للعبور فقط: دروس من لندن لمستقبل التكامل الخليجي
تعمل مملكة البحرين على مشروعين واعدين متمثلين في جسرين جديدين: جسر الملك حمد، الذي سيشكل المعبر البري الثاني بين البحرين والمملكة العربية السعودية، وجسر يربط المملكة بدولة قطر. وقد يخلق استكمال المشروعين عائداً كبيراً، يتسم بأبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية وغيرها، تحصده أجيال متتالية من البحرينيين والسعوديين والقطريين وجميع الخليجيين.
لعبت الجسور دوراً محورياً في التحولات الاقتصادية والاجتماعية تاريخياً، ويُعد أحد أبرز أمثلة هذه الظاهرة جسر لندن، الذي قام ببنائه الرومان في عام 50م بعد غزوهم لبريطانيا وتأسيسهم لمدينة “لندنيوم” على الضفة الشمالية من نهر الـ “تيمز”. من خلال ربط المستوطنة الأصلية بأراضي ضفة النهر الجنوبية، تحولت العاصمة الإنجليزية المستقبلية من حصن إلى مركز تجاري. ووجّه الملك هنري الثاني بتحديث الهيكل الخشبي البدائي واستبداله بجسر حجري متطور يمتد قرابة 300 متر، أسفر عن تحول الجسر ذاته إلى سوق بعد استكمال المشروع في عام 1209م في عهد الملك جون. بمرور الزمن، عزّز الجسر جاذبية لندن وحوّلها تدريجياً إلى الميناء الرئيسي لإنجلترا، ورسخ دور نهر التيمز كأهم شريان تجاري في المملكة.
وقد يتساءل المرء عن أسباب أهمية مثل هذه الجسور في ظل توفّر بدائل كالنقل المائي، فالجسر يُيسّر عملية العبور دون شك، ولكن الشخص المضطر يمكن أن يركب قارباً لا تقل سرعته عن المشي ويحمل معه السلع المراد نقلها. مع ذلك، تُغيِّر الجسور معادلة العبور جذرياً، لا سيّما الجسور المتينة، كالهيكل الحجري الذي شُيِّدَ في لندن في بداية القرن الـ 13، لأن العبور يصبح مستقراً وقابلاً للتوقع والتوسع. فعلى سبيل المثال، يعتمد العبور المائي على اعتدال الطقس وحركة المد والجزر، وإذا كان الطقس المتقلب يمنع العبور لأيام أو أسابيع، كما كان العبور المائي يضع قيوداً صارمة على حجم ووزن السلع المشحونة. وفّر الجسر اتصالاً دائماً، ليلاً ونهاراً، في جميع الأحوال الجوية، كما سمح للتجار والمسؤولين والحجاج بالعبور بأمان وموثوقية، محولاً التجارة الموسمية إلى نشاط اقتصادي مستمر.
بالإضافة إلى ذلك، أصبح الجسر بحد ذاته مركزاً تجارياً لكثرة المتاجر والبيوت القائمة على جانبيه. وأسهمت عملية استقطاب التجار والصاغة والمصرفيين في تحول لندن إلى عاصمة مالية – ما يعني أن الجسر لم يقم بربط التجارة فحسب، بل ولدّها مباشرة. ومع الزمن، أصبح الجسر رمزاً وطنياً يستعرض قدرة الدولة على حشد رؤوس الأموال والأيدي العاملة، ما أسفر عن تعزيز هيبة التاج الإنجليزي.
وعلى الرغم من التطورات الكبيرة التي شهدتها البشرية في تكنولوجيات النقل البحري في الألفية الأخيرة، ما زالت الجسور الكبيرة تؤدي دوراً مهماً في التحولات الاقتصادية والاجتماعية، تشبه ما مرت به لندن في القرون التي تلت بناء جسرها. فعلى سبيل المثال، يمكن للمواطنين البحرينيين والسعوديين الانتقال بين البلدين جواً أو بحراً بتعداد يقارب الـ 7,000 شخص يومياً، في رحلة تستغرق 3 ساعات، أخذاً في الاعتبار إجراءات الدخول والخروج، بينما يسمح جسر الملك فهد – الذي افتُتِحَ في عام 1986م – بعبور قرابة 100,000 شخص يومياً، في رحلة تستغرق أقل من ساعة. كما يتسم النقل البري بمرونة عالية مقارنة بالجوي والبحري، وبتكلفة قليلة للغاية. وعلى صعيد حركة السلع، وحسب التقديرات الأولية، يمكن للشاحنات البرية أن تنقل ما يقارب الـ 50 ألف طن يومياً، مقارنة بـ 30 طناً تُنقل جواً.
وانعكست كفاءة النقل في التبادل بين الدولتين على جميع الأصعدة. فعلى سبيل المثال، تستقطب مملكة البحرين أكثر من 10 ملايين زائر سنوياً عبر الجسر، ما أسفر عن ازدهار قطاعات مهمة كالسياحة والتعليم والصحة والخدمات المالية. كما يؤدي الجسر دوراً محورياً في استراتيجية جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من خلال ترسيخ مكانة البحرين كبوابة للسوق المشتركة الخليجية، إذ تقوم عدة شركات بتشغيل أنشطتها الإقليمية انطلاقاً منها لتصدير منتجاتها إلى سائر دول الخليج العربي عبر الجسر.
وفي هذا الصدد، من المتوقع أن يحقق جسر الملك حمد الجديد قفزة نوعية في التبادل الاقتصادي والاجتماعي بين البحرين والسعودية، خصوصاً مع تضمنّه لخط سكة الحديد الذي سيربط البحرين بالشبكة الخليجية. ويأتي هذا التطور في وقت مهم، إذ طُرِحت عدة سلاسل إمدادات دولية خلال السنوات الـ 15 الأخيرة، من بينها مشروع الحزام والطريق من قبل الصين، والممر الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. لذا سوف يعزز الجسر الجديد قدرة البحرين على المساهمة في هذه الشبكات اللوجستية الناشئة، تماشياً مع هُويتها الاقتصادية كمركز إقليمي للتجارة والخدمات.
ويمثل إدراج خط سكة الحديد في جسر الملك حمد خطوة محورية في استكمال منظومة القطار الخليجي، وهو المشروع الاستراتيجي الذي يهدف إلى ربط جميع دول مجلس التعاون عبر شبكة نقل حديثة وعالية الكفاءة. ومن شأن اكتمال منظومة القطار الخليجي أن يحدث تحولاً في التكامل الاقتصادي والاجتماعي، من خلال خفض تكلفة النقل، وتسريع تدفق السلع، وتكثيف حركة القوى العاملة والطلاب والسياح. كما سيمنح دول المجلس قدرة أكبر على الاندماج في شبكات الإمداد العالمية الجديدة، ما يعزز مكانة المنطقة كممر لوجستي دولي.
وبالإضافة إلى ما سبق، سيفتح الجسر البحريني-القطري آفاقاً جديدة بين البلدين، من خلال مضاعفة حجم الأسواق المتاحة للمصدِّرين، وتعزيز التنافسية والفرص في أسواق العمل. وعلى المدى الطويل، يعزز هذا الترابط القدرة الكلية لدول مجلس التعاون – وبالأخص مملكة البحرين – على جذب الاستثمارات الدولية في وقت تتفكك فيه سلاسل الإمدادات الدولية، ويبحث فيه المستثمرون الدوليون عن فرص واعدة في اقتصادات آمنة ومستقرّة.
في عام 1790م، وعند زيارته لجسر لندن، علق المؤرخ الإنجليزي توماس بينانت قائلاً: “لم يكن المرور عبر الجسر مجرد وسيلة راحة، بل كان بمثابة شريان جديد تتدفق من خلاله حياة المدينة”. فكما كان جسر لندن قبل ثمانية قرون بوابةً للتحولٍ الاقتصادي والاجتماعي غيّرت وجه إنجلترا، فإن الجسرين الجديدين المزمع إنشائهما بين البحرين وجارتيها يرمزان اليوم إلى طموح خليجي مماثل، ألا وهو تحويل الجغرافيا من حاجز إلى فرصة، إذ تمثل الجسور مؤسساتٍ مستدامة، تُولِّد الثقة وتؤسس لروابط يومية منتظمة بين الشعوب والأسواق، حسب وصف بينانت. ومثلما أتاح جسر لندن تنامي النشاط التجاري حتى أصبحت العاصمة البريطانية مركزاً عالمياً، فإن جسري الملك حمد والبحرين-قطر مرشحان ليكونا محرّكَيْنِ لعصرٍ جديد من التكامل الخليجي، تتجاوز ثماره حدود النقل إلى توطيد الأمن، وتوسيع الأسواق، وترسيخ مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي.
الدكتور عمر العبيدلي، مدير إدارة الدراسات والبحوث