الحوار الاستراتيجي الخامس بين مملكة البحرين والولايات المتحدة: نحو تعزيز الشراكة الشاملة
في 26 يناير 2026م، اختُتِمَت في المنامة أعمال الحوار الاستراتيجي الخامس بين مملكة البحرين والولايات المتحدة الأمريكية، والذي شاركت فيه المملكة من خلال أربع مجموعات عمل متخصصة، آخرها مجموعة العمل المعنية بـ “تعزيز التعاون الاستراتيجي لدعم السلام والأمن”، برئاسة السفير الشيخ عبدالله بن علي آل خليفة، مدير عام العلاقات الثنائية بوزارة الخارجية، و السيدة أليسون هوكر، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية. ووفقاً للبيان الختامي الذي صدر في أعقاب هذا الاجتماع، أكد الجانبان على أهمية هذا الحوار في تعزيز التزام الدولتين بالأمن الثنائي والإقليمي، معربين عن تطلعهما إلى استمرار انعقاد الحوار مستقبلاً، بالإضافة إلى الالتزام بحماية حرية الملاحة في المياه الدولية والمرور الآمن للملاحة في مضيق هرمز.
وعلى الرغم من بدء اجتماعات هذا الحوار منذ سنوات قريبة – منذ 1 ديسمبر 2020م وبالتزامن مع جائحة كورونا،ما يعكس حرص البلدين على تأسيسه – فقد أصبح آلية مهمة للنقاش المباشر والشفاف بينهما، وتبادل الرؤى حول الأولويات الأمنية للجانبين وسُبُل تنفيذها، بما يحقق مصالحهما المشتركة. وتُعد مملكة البحرين شريكاً إقليمياً مهماً للولايات المتحدة، حيث يتجلى ذلك في ثلاثة مؤشرات؛ الأول: أن البحرين هي مقر الأسطول الأمريكي الخامس، الذي يضطلع بدور محوري في حماية الملاحة البحرية في منطقة تبلغ مساحتها 3,5 مليون ميل مربع من المياه الدولية، تضم الخليج العربي ومناطق جواره الجيو-استراتيجي، وتعمل تحت مظلته فرق الواجب البحري المختلفة التي تضم العديد من دول العالم. والثاني: منح الولايات المتحدة صفة حليف من خارج حلف الناتو لمملكة البحرين في عام 2002م، وما تتضمنه من سُبُل لتعزيز الشراكة في المجال العسكري. والثالث: توقيع البلدين على اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل في عام 2023م، والتي تتضمن جوانب دفاعية واقتصادية وتكنولوجية، وانضمت إليها المملكة المتحدة في عام 2024م، لتصبح إطاراً متعدد الأطراف للتنسيق والتعاون في المجالات المختلفة.
ومع أهمية تلك المؤشرات، فإن ذلك الحوار قد انعقد في ظل مستجدات دولية أضفت أهمية بالغة على جدول أعماله، منها بدء مملكة البحرين لفترة عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي لعامي 2026-2027م، والتي حددت خلالها قضايا ذات أولوية، من بينها تحقيق السلام، وانتهاج الحوار لحل النزاعات، بالإضافة إلى إعلان المملكة انضمامها إلى مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يهدف إلى حل النزاعات الدولية. وإقليمياً، تستمر تهديدات الملاحة البحرية، وهي التحدي الشامل الذي تجسدت فيه مضامين الشراكة البحرينية-الأمريكية، والتزام البلدين بمواجهة تهديداته من خلال مشاركة المملكة في (التحالف العسكري البحري لأمن الملاحة في الخليج العربي) في عام 2019م، وتحالف (حارس الازدهار) في عام 2023م لحماية الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن؛ والتحالفان تم تأسيسهما خلال الولايتين الأولى والثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ولا تقتصر جوانب التعاون بين البلدين على المجالات العسكرية والأمنية، بل تشمل العديد من المجالات الأخرى؛ منها الذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية السلمية، والطاقة والتعليم والاقتصاد، ضمن اتفاقية التجارة الحرة، مما يعكس رغبة الطرفين في ترسيخ شراكة شاملة ومستمرة، تستجيب لتطلعاتهما، ويعزز التنسيق المشترك في مواجهة التحديات الراهنة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
إن مملكة البحرين – بسياستها الخارجية المتوازنة، والداعية إلى دعم الاستقرار والأمن على المستويين الإقليمي والدولي – أثبتت على الدوام بأنها شريك إقليمي موثوق ومهم للولايات المتحدة من ناحية، ورسّخت عنها صورة ذهنية إيجابية لدى دبلوماسييها من ناحية ثانية. ففي حديث لوسائل الإعلام البحرينية، قالت السيدة ستيفاني هاليت، سفيرة الولايات المتحدة حديثة التعيين لدى مملكة البحرين، “عُدْتُ لمنزلي”، حيث عملت سابقاً في سفارة الولايات المتحدة لدى المملكة في بداية عملها الدبلوماسي.
وعودٌ على بدء، فإن تهديدات الأمن الإقليمي – التي تمثل في الوقت ذاته تهديدات للقوى العالمية، من بينها الولايات المتحدة – تجعل من استمرار التنسيق بين الولايات المتحدة ومملكة البحرين – من خلال الحوار الاستراتيجي كأحد قنوات التنسيق بين البلدين الصديقين – أمراً ضرورياً في ظل حقيقة مفادها أن أمن وازدهار العالم يبدأ من منطقة الخليج العربي، وهو ما تأكد خلال الأزمات التي شهدتها المنطقة إبان العقود الماضية، خاصةً أهمية الحفاظ على الممرات المائية الحيوية للملاحة الدولية، مما يتطلب ليس فقط استمرار الجهود الثنائية، بل التعاون الإقليمي متعدد الأطراف لمواجهة تهديدات أمنية غير مسبوقة.
د. أشرف محمد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية مركز “دراسات”
