الدور الأوروبي تجاه أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / الدور الأوروبي تجاه أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز

رغم عدم تلبية الدول الأوروبية – سواءً ذات العضوية في الاتحاد الأوروبي أو في حلف شمال الأطلسي”الناتو” – لمطلب الرئيس دونالد ترامب بتأسيس تحالف بحري دولي لتأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز لمواجهة التهديدات الإيرانية، فلا يعني ذلك أن تلك الدول ظلت بعيدة عن تلك القضية، لثلاثة أسباب؛ الأول: الارتفاع الحاد في أسعار الغاز والكهرباء في أوروبا، وتعطل استيراد العديد من السلع من المنطقة نتيجة إغلاق المضيق. الثاني: استحواذ منطقة الخليج العربي على حيّز كبير في بؤرة اهتمام الاتحاد الأوروبي على مدى عقود، وقد تُوِّج ذلك الاهتمام بإصدار الاتحاد الأوروبي لوثيقة الشراكة مع دول الخليج العربي عام 2022م، التي نصّت في أحد بنودها على التعاون بين الجانبين في مجال الأمن البحري. الثالث: لا يعني عدم انضمام تلك الدول إلى التحالفات العسكرية لأمن الملاحة بقيادة الولايات المتحدة أنها لم تقم بدور لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، سواءً بمشاركتها في عملية “الإرادة الجادة” التي قادتها الولايات المتحدة لمنع الاعتداءات على ناقلات النفط خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988م)، أو تأسيس فرنسا للبعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة البحرية في مضيق هرمز عام 2020م، بدعم من 7 دول أوروبية ومقرها في إمارة أبوظبي.

وتمثل الاهتمام الأوروبي بأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز خلال الحرب الأخيرة في مؤشرين مهمين. الأول: المؤتمر الذي ترأسته فرنسا وبريطانيا في 17 أبريل 2026م بمشاركة 51 دولة لبحث تأمين الملاحة في مضيق هرمز. الثاني: ترؤُّس البلدين لمؤتمر ضم خبراء عسكريين يومي 22 و23 أبريل من العام ذاته في لندن، بهدف تحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى خطة عمل لضمان أمن الملاحة في المضيق.

ومع أهمية هذين المؤتمرين، إلا أن أمرين لفتا الانتباه. الأول: عدم مشاركة الولايات المتحدة في أيٍّ منهما، مما يعكس تباعد المواقف الأمريكية عن نظيرتها الأوروبية، إذ تريد واشنطن جهوداً فورية بينما ترى الدول الأوروبية تأجيلها إلى ما بعد الحرب. الثاني: تأكيد مخرجات المؤتمرين على أن مهمة تلك الدول ستكون دفاعية محضة وليست هجومية.

وإذا كانت الحرب الأخيرة قد أعادت التأكيد مجدداً على أن الاقتصاد الأوروبي يرتبط على نحوٍ وثيق بأمن الملاحة البحرية، ليس فقط في مضيق هرمز بل في مضيق باب المندب أيضاً ومن ثم البحر الأحمر، فثمّة حاجة إلى تحرك أوروبي منسّق ومستدام لحماية تلك الممرات بالتعاون مع الولايات المتحدة، التي لديها قوات بحرية هائلة في المنطقة مقارنة برمزية الدور الأوروبي، سواءً من خلال البعثة البحرية الأوروبية التي تم إرسالها إلى البحر الأحمر وخليج عدن في فبراير 2024م لمواجهة تهديدات الحوثيين هناك، أو البعثة الأوروبية للتوعية بأمن الملاحة في مضيق هرمز، بقيادة فرنسا ومقرها في أبوظبي كما ورد سابقاً. من ناحية ثانية، ومع أهمية حماية الملاحة البحرية من خلال الجهود العسكرية، تظل هناك حاجة أيضاً إلى تقنين دولي لهذه الجهود لتفرض التزامات على إيران بعدم تهديد الملاحة في مضيق هرمز مجدداً والتوقف عن دعم الحوثيين لتهديد الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، بما يتطلبه ذلك من جهود دبلوماسية أوروبية لدعم أي قرارات دولية مقترحة بشأن حرية الملاحة في هذين الممرين الحيوين. من ناحية ثالثة، تتطلّب النظرة الشاملة لتهديدات الأمن البحري وجود رؤية أوروبية موحّدة للمليشيات المسلحة في المنطقة، والقادرة على تهديد الملاحة البحرية بإساءة توظيف التكنولوجيا الحديثة.

أحياناً قد يُثار الجدل حول أدوار الدول الأوروبية، فرادى أو ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي أو حلف “الناتو”، حيث تتداخل عضوية 22 دولة بين المنظمتين. لكن بغض النظر عن المظلة التي تعمل تحتها تلك الدول، هناك ثلاثة حقائق لا بد أن تكون ماثلة أمام صانع القرار الأوروبي. الأولى: تؤكد كافة الأحداث الإقليمية بلا أدنى شك أن المعارك المستقبلية ستظل في البحار. الثانية: الأمن البحري هو جوهر الحفاظ على أمن الخليج العربي والأمن الإقليمي. الثالثة: يصعب الحديث عن مفهوم للأمن الإقليمي وآخر للأمن العالمي، إذ يتقاطع المستويان عند الحديث عن الممرات المائية الدولية. وفي ضوء تلك الحقائق، فإن الدول الأوروبية مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى للاضطلاع بدور في مواجهة تهديدات الأمن البحري، ربما بتوحيد عمل البعثتين الأوروبيتين في مضيقي هرمز وباب المندب، واقتراح صِيَغٍ أخرى – ليس فقط من منظور تفعيل مضامين الشراكة الأوروبية-الخليجية، بل كذلك مع زيادة الاهتمام بالبحار كمصادر للثروات، مما يجعلها مجالاً للتنافس والصراع. 

د. أشرف محمد عبدالحميد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

آخر تحديث : 9 مايو 2026