العائد الاقتصادي لإبراز التراث المعماري لمدينة المحرق
تماشياً مع رؤية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، تستثمر مملكة البحرين في إبراز التراث المعماري لمدينة المحرق. وفي مثل هذه المشاريع، يكون التركيز عادةً على الفوائد الثقافية والاجتماعية، ولا يتصور المرء إمكانية تحقيق عائد اقتصادية ملحوظ من خلال خطوات مدروسة. لكن هناك العديد من الأمثلة العالمية التي توضح الممارسات المثلى في هذا السياق، والتي تجعل العائد الاقتصادي أمراً مكملاً وليس متناقضاً مع هدف تنمية الهُوية الحضرية التاريخية.
وفي هذا الإطار، قد تكون مدينة فلورنسا الإيطالية أبرز مثال لكيفية تحقيق عائد اقتصادي كبير من خلال الاستثمار الصائب في التراث المعماري. فبشكلٍ سنوي، يقوم ملايين السيّاح الدوليين بزيارة منشآت قديمة رُمِّمَت في المدينة التي تُعد عاصمة عصر النهضة، مثل كنيسة القديسة ماريا دل فيوري، والقصر القديم، والجسور التراثية وغيرها. ولّدت هذه المعالم أنشطة اقتصادية داعمة، منها الفنادق والمطاعم، ومعامل الحرفيين والجولات الإرشادية، وهي تخلق عائداً كبيراً يضاف إلى ما تحققه المدينة من أرباح عن طريق رسوم الدخول إلى المنشآت التاريخية.
تقوم هذه الاستراتيجية الناجحة على ثلاثة عناصر أساسية. أولاً: الحفاظ على شواهد التراث بدلاً من هدمها. فبعد الثورة الصناعية التي انطلقت في العصر الثامن عشر، توفّرت تكنولوجيات غير مسبوقة للمهندسين المعماريين والمخططين الحضريين في جميع أنحاء العالم، ما دفعهم نحو الرغبة في استبدال الأحياء القديمة بمبانٍ جديدة توفّر للمقيم المرافق الحديثة، مثل التهوية والعزل، والسباكة والكهرباء. لكن في فلورنسا ركزت الحكومة على تحديث المباني القديمة بشكل يحافظ على هُوية عصر النهضة دون الاستغناء عن التكنولوجيات المتطورة، حتى ولو كانت تكلفة هذه الخطوة باهظة. كذلك وقعت على كاهل سكان المدينة مسؤولية تحمّل استمرار بعض الأساليب العمرانية المنقرضة للمحافظة على الطابع العام الأصيل للمدينة. فعلى سبيل المثال، قد يتعذّر تركيب أجهزة تكييف الهواء في جميع المباني.
ثانياً: ممارسة التسويق المؤسسي، ما يعني إطلاق شراكات منهجية مع منظمات دولية (مثل: اليونسكو) والمتاحف والجامعات بهدف تعزيز سمعة فلورنسا كعاصمة تراثية. فمثلاً عند زيارة إحدى الكنائس القديمة في المدينة الإيطالية، قد يصادف السائح شُعبةً من طلاب الهندسة المعمارية من إحدى الجامعات العالمية يقومون بزيارة تعليمية ميدانية للتعرف على ابتكارات العباقرة أمثال برونليسكي وميكلوزو وغيرهما. كما يقوم مسؤولو صالات عرض أوفيزي الشهيرة بالترويج لأعمالها الفنية من خلال المعارض المتجولة في أفضل المنشآت التراثية العالمية. بالإضافة إلى ذلك، تقدم السلطات السياحية باقات متكاملة مرتبطة بهُوية النهضة، تشمل المتاحف والكنائس والجولات وغيرها من أنشطة، لكي ينغمس السائح في الجو الذي تسعى مدينة فلورنسا لإعادة إحيائه.
ثالثاً: استخدام مزيجٍ من الدعم المالي والتشريعات الصديقة للحد من هجرة سكان الأحياء القديمة إلى أحياءٍ جديدة ومدنٍ أخرى. فمع التحديات الاقتصادية التي أصبح سكان فلورنسا يواجهونها في النصف الثاني من القرن العشرين، انجذب البعض إلى فرص العمل والمعمار الحديث المتوفر خارج الأجزاء القديمة من فلورنسا، ما هددها باحتمالي التحول إلى مدينة خالية أو ممتلئة بالوافدين الذين لا يمثلون تراثها ولا هُويتها. لذا تم إطلاق مختلف الحوافز لإقناع السكان الأصليين بالاستمرار في الإقامة في منازلهم، ترسيخاً للهُوية الفريدة لعاصمة النهضة.
شكّلت هذه المبادرات المتضافرة قطاعاً اقتصادياً يتمحور حول السياحة التراثية في فلورنسا، يشمل الجولات والإرشاد السياحي، والضيافة والمأكولات الشعبية، والنقل الجوي والبري وغيرها. ويعتمد نشوء هذه الأنشطة المنوعة الداعمة للاقتصاد الكلي على التكامل والتنسيق بين مسؤولي المرافق السياحية، بحيث يندرج العمل ضمن خطة استراتيجية متكاملة، تُوحِّد الجهود وتقضي على عقلية الانفراد، التي تعيق أحياناً محاولات اغتنام الفرص الاقتصادية والسياحية السانحة.
وفي عام 2025م، يمكن لمدينة المحرق أن تستفيد من هذه التجربة الإيطالية النموذجية. لا شك أنه قد تم تبنّي العديد من الخطوات التي التي تقدم ذكرها، وعلى رأسها مشروع “طريق اللؤلؤ” المسجل على قائمة التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو. الجدير بالذكر أن “الطريق” يضم شريحةً منوّعة من الأنشطة السياحية، ويقدم بالتالي عدة فرص لإطلاق مشاريع جانبية داعمة للاقتصاد. فعلى سبيل المثال، تُعد قلعة بو ماهر نقطة الانطلاق، إذ تم تخصيص عبّارة تنقل الزائرين من متحف البحرين الوطني، وتقودها كوادر بحرينية. كما يقدم العديد من المتاجر البحرينية أطباق الحلوى التقليدية للمشاة وهم يتجولون من نقطة إلى نقطة على الطريق. ومع دعم مالي من القطاعين العام والخاص، أُعِيد بناء بيوت تراثية كانت توشك على الانهيار، منها بيوت تجار بحرينيين من القرنين التاسع عشر والعشرين.
ومع ذلك، لا بد من إيجاد المزيد من الفرص لتفعيل الطاقة الاقتصادية السياحية في مدينة المحرق، من خلال دراسة ما قامت به فلورنسا، لا سيما في مجال مكافحة الهجرة، إذ ترتبط هُوية المحرق ارتباطاً وثيقاً بالأسر التي عاشت في أحيائها منذ عقود، ومارست المهن التي يستعرضها طريق اللؤلؤ. لذا ينبغي التعرف على كيفية تحفيز تلك الأسر على البقاء في المحرق، لكي يتمكن السائح من التماس أجواء الأصالة عند زيارتها، والاستماع إلى الروايات القديمة مباشرةً من أصحابها أو من عايشهم. كما يمكن تحويل بعض المباني القديمة إلى فنادق “بوتيك” تُشعِر السائح بملامح الحياة القديمة دون التخلي عن الرفاهية الحديثة. وبذلك، يتعدّى الاستثمار في إبراز التراث المعماري للمحرق مرحلة الحفاظ على الماضي، ليصبح أداةً ذكيةً لبناء اقتصادٍ مستدام يستفيد من التاريخ ويصونه في آنٍ واحد.
الدكتور عمر العبيدلي، مدير إدارة الدراسات والبحوث