العلاقات البحرينية الباكستانية: شراكة تدخل جيلها الثالث
تأتي الزيارة الرسمية التي قام بها فخامة الرئيس آصف علي زرداري، رئيس جمهورية باكستان الإسلامية الصديقة، إلى مملكة البحرين في 15 يناير 2026م، لتضع حجر زاوية جديداً في صرح العلاقات التاريخية التي تجمع المنامة بإسلام آباد منذ أكثر من نصف قرن. وقد جسدت حفاوة الاستقبال – بلقاء حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، لفخامة الرئيس زرداري في قصر القضيبية – المدى الذي وصلت إليه هذه الروابط من متانة وموثوقية، مستندةً إلى إرثٍ دبلوماسيٍّ مشترك، بدأ رسمياً في عام 1971م.
وتحمل اللفتة الكريمة بمنح جلالة الملك المعظم لوسام “الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة” من الدرجة الأولى للرئيس الباكستاني دلالة سياسية تتجاوز أبعاد التكريم؛ فهي تعبير عن التقدير الملكي السامي لمواقف باكستان المشرفة تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية. ومن جانبه، جاء وصف فخامة الرئيس الباكستاني لهذه العلاقة بـ “علاقة الجيل الثالث” ليؤكد بوضوح على أن هذه الشراكة ليست وليدة اللحظة، بل هي ميثاق ثقة انتقل عبر الأجيال، محققاً استمرارية فريدة في التفاهم والتنسيق الاستراتيجي.
وعلى صعيد التعاون العسكري، تبرز العلاقات الدفاعية كركيزةٍ صلبةٍ للأمن الإقليمي، حيث تُرجم هذا التنسيق من خلال اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 2018م بين البلدين، والتمارين العسكرية المشتركة مثل تمرين “البدر”. هذا التكامل الأمني يعكس إدراكاً عميقاً لدى البلدين بالتحديات المشتركة، وإيماناً بضرورة رفع الجاهزية القتالية وتبادل الخبرات التدريبية لمواجهة التحديات الأمنية المعاصرة، بما يضمن استقرار الممرات المائية وتدفقات التجارة العالمية.
وفي الشق الاقتصادي، تكشف المؤشرات الرقمية عن تحول نوعي نحو “الشراكة التنموية”؛ إذ قفز حجم التبادل التجاري الثنائي ليتجاوز حاجز 1.5 مليار دولار أمريكي منذ عام 2020م، مع نموٍّ لافت في التدفقات الاستثمارية المباشرة من باكستان بنسبة تخطت 70%. هذا الزخم الاقتصادي تدعمه اليوم أكثر من 9400 شركة تضم شركاء من الجنسية الباكستانية، مما يجعل من القطاع الخاص محركاً حيوياً لقصة النجاح الاقتصادي المشترك بين البلدين.
وتمتد آثار هذه العلاقة لتشمل البُعدَيْن الإنساني والمؤسسي، إذ تساهم الجالية الباكستانية بفاعلية في المسيرة التنموية للمملكة، بالتوازي مع الدور الريادي للمؤسسات المالية الباكستانية العريقة التي تعمل في المنامة منذ أكثر من خمسة عقود. إن إسهامات “حبيب بنك ليمتد” ويونايتد بنك ليمتد” في القطاع المصرفي البحريني كانت جزءاً أصيلاً من رحلة بناء الاقتصاد المتنوع في المملكة، الذي تشكل فيه القطاعات غير النفطية اليوم أكثر من 85% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يبرهن على تكامل الأدوار بين البلدين الصديقين.
وفي الختام، تفتح هذه الزيارة، بما تحمله من مدلولات سياسية واقتصادية، آفاقاً أرحب للتعاون الاستراتيجي الشامل، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية البحرين 2030» وتطلعات باكستان نحو النهضة والتنمية، بوصفها مساراً مشتركاً يتجاوز المصالح الآنية إلى بناء شراكات طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تمثل الزيارة خطوة جوهرية لإعادة ضبط بوصلة العمل المشترك، بما يضمن بناء تحالفات آسيوية خليجية قوية تستند إلى المصالح المتبادلة، وتجعل من المنامة وإسلام آباد نموذجاً يُحتذى به في التعاون الدولي المتّزن.
تسنيم عبدالله عيسى، باحث مساعد في إدارة الدراسات والبحوث، مركز “دراسات”
