مضيق هرمز: رؤية قانونية لأمن الملاحة البحرية
من خلال استقراء أبعاد الوضع المتأزم والقائم في نطاق الحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما صاحبها من اعتداءات إيرانية آثمة على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وعدد من الدول الشقيقة والصديقة، برزت عرقلة الملاحة في مضيق هرمز من قِبَل إيران كأحد أبعاد هذا الصراع، إذ يُعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الطبيعية والاستراتيجية في العالم، وهو الرابط بين الخليج العربي وبحر العرب فالمحيط الهندي. فبحسب ما نشرته الوكالة الدولية للطاقة، يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية يوميًا. كما تحصل دول مجلس التعاون على ما يقارب 70% من وارداتها الغذائية الأساسية المتنوعة عبر مضيق هرمز. وفي ظل التوترات الجيوسياسية والعملياتية المتصاعدة، يبرز تساؤل عن ماهيّة الوضع القانوني لإغلاق هذا المضيق كمسألة بالغة التعقيد والحساسية، تتداخل فيها أحكام القانون الدولي للبحار مع الأمن الاقتصادي العالمي.
ففي سياق الأطر القانونية الدولية المنظِّمة للملاحة في المضائق البحرية، تستند القواعد القانونية المنظِّمة للملاحة في المضائق الدولية بشكل أساسي إلى “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار” (UNCLOS) الصادرة في عام 1982م، والتي تُعد الدستور المنظِّم للبحار والمحيطات، والتي أوضحت نوعين رئيسيَّيْن من أشكال المرور عبر المضائق، وهما: “المرور البريء” و”المرور العابر”.
تُطبَّق أحكام المرور العابر (Transit Passage) على المضائق الدولية التي تُستخدم للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة. وتُعد المادة 38 من الاتفاقية سالفة الذكر الأساس القانوني الذي نظَّم هذا الحق، وتُقر لجميع السفن والمركبات، بما في ذلك السفن الحربية، حق المرور العابر السريع والمتواصل دون عوائق. وتُشدد المادة 44 من ذات الاتفاقية على أنه لا يجوز للدول المُشاطِئة للمضائق تعليق أو إعاقة هذا المرور بأي شكل من الأشكال، مع الأخذ في الاعتبار أن مضيق هرمز ينطبق عليه ذات الوصف، الأمر الذي يصنّفه ضمن هذه الفئة من المضائق، نظرًا لأهميته الحيوية للملاحة الدولية.
في المقابل، تُطبَّق أحكام المرور البريء (Innocent Passage) على الإبحار في المياه الإقليمية للدول الساحلية، ويُعرَّف بأنه المرور الذي لا يضر بسلامة أو أمن أو نظام الدولة الساحلية. ورغم منح هذا الحق لجميع السفن، إلا أن الدول الساحلية تحتفظ بحق تنظيم هذا المرور ووضع قيود عليه لضمان أمنها. وقد نصَّت “اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي” لعام 1958م، في المادة 16(4)، على عدم جواز تعليق المرور البريء عبر المضائق الدولية.
كما يجب التنويه بأنه بالإضافة إلى الاتفاقيات الدولية المكتوبة، فإن الأعراف الدولية المتفق عليها من قبل فقهاء القانون، والسوابق القضائية في حقل القانون الدولي وتفرُّعاته، تشكّل مصدراً ومرجعًا لتحديد الوضع القانوني للمضائق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وبغض النظر عن الاختلاف القائم على الظروف المحيطة، تُعد قضية “قناة كورفو” لعام 1949م، التي نظرت فيها محكمة العدل الدولية، مرجعًا أساسيًا في هذا الصدد. فقد أكدت المحكمة على حق المرور عبر المضائق الدولية في وقت السِّلم، ورفضت حق الدولة الساحلية في حظر هذا المرور بشكل مطلق. كما يُشير دليل “سان ريمو” بشأن النزاعات المسلحة في البحار إلى أن حقوق المرور العابر تظل سارية حتى في زمن النزاع المسلح، ولا يجوز تعليقها للدول المحايدة.
وإذا ما نظرنا الى الذرائع التي تستند إليها إيران في أعمالها التي تقوِّض حرية الملاحة، وتؤثر سلبًا على أمن إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، والتي تتمثل في عدم مصادقتها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م رغم توقيعها عليها، ترى إيران في ذلك مسوَِغاً لإعاقة المرور البريء للسفن، حتى تلك التابعة لدول محايدة. لذا فإن أي إغلاق شامل لمضيق هرمز يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وله تداعيات وانعكاسات على الأمن وإمدادات الطاقة، وذلك لعدة أسباب:
أولاً: انتهاك حق المرور العابر، إذ يُعد الإغلاق الشامل للمضيق خرقًا واضحًا للمادتين 38 و44 من “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”، التي تضمن حق المرور العابر لجميع السفن والطائرات. حتى لو لم تُصدِّق إيران على الاتفاقية، فإن مبدأ المرور العابر يُعتبر جزءًا من القانون الدولي العرفي التي استقرت عليه الدول، والذي يرتكز على مبدأ العالمية لتحقيق الأمن ووصول يد العدالة إلى من ينتهك هذا الحق في أي مكان في العالم، ومن زاوية أخرى، ضمان انسيابية التنقل والحركة للأفراد والمواد الأساسية.
ثانياً: المساس بحقوق الدول المحايدة، إذ يؤثر الإغلاق بشكل مباشر على حقوق الملاحة للدول المحايدة التي لا تُعد طرفًا في النزاع، مثل دول مجلس التعاون والدول المطلة الخليج العربي، وجمهورية الصين الشعبية، واليابان، والعديد من الدول الأوروبية التي تعتمد على المضيق لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
ثالثاً: مبدأ الضرورة والتناسب إذ أنه حتى في حالة الدفاع عن النفس، يُشترط أن يكون أي إجراء مُتَّخذ ضروريًا ومتناسبًا مع التهديد. فإغلاق مضيق حيوي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية لا يُمكن تبريره بسهولة بمبدأ الدفاع عن النفس، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في “قضية نيكاراغوا” أهمية الالتزام بهذين المعيارين.
رابعاً: التمييز بين السفن، إذ يُلزِم القانون الدولي بالتمييز في التعامل بين السفن العسكرية التابعة للأطراف المتحاربة، والسفن التجارية. فالإغلاق الشامل لا يُمكن أن يُبرر استهداف السفن التجارية التي لا تُشكل تهديدًا عسكريًا.
وبناءً على جميع ما تقدم، يتضح لنا جليّاً بأن مضيق هرمز يشكل نقطة التقاء حاسمة بين الجغرافيا السياسية والقانون الدولي. ففي حين تتذرع إيران بحقها المزعوم في حماية أمنها القومي، فإن القانون الدولي للبحار، سواءً في نصوص الاتفاقيات أو في قواعده العرفية، يُعطي أولويةً قصوى لحرية الملاحة في المضائق الدولية؛ بمعنى أن أي محاولة لإغلاق المضيق بشكلٍ شامل تُعتبر انتهاكًا للقانون الدولي، وتُحْدِث تداعياتٍ اقتصادية وسياسية وخيمة على المستوى الإقليمي والعالمي.
إن ما تقوم به إيران من محاولة لتغيير نطاق الضغط، وتحويله لمنطقة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، رغم الموقف الخليجي الواضح من الدفع تجاه عدم الزجّ بالمنطقة في أتون الحرب، الذي قوبل باستهداف سافر للمنشآت الحيوية والأعيان المدنية، والتي تُعد أفعالاً عدائيةً آثمةً قانوناً، ومُدانةً أخلاقياً ودولياً، كما هو الحال في عملية إغلاق مضيق هرمز، بُغْيَة الضغط عالمياً على إمدادات الطاقة والغذاء. لذا، فإن الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز سيظل مسؤولية دولية جماعية في الحاضر والمستقبل.
الدكتور إسماعيل ناجي الأمين ، زميل غير مقيم
