تدشين استراتيجية صندوق العمل “تمكين” 2026-2030 وأهميتها الاقتصادية

الرئيسية / الدراسات الاقتصادية / تدشين استراتيجية صندوق العمل “تمكين” 2026-2030 وأهميتها الاقتصادية

إن الإعلان الأخير عن تدشين استراتيجية صندوق العمل “تمكين” للأعوام 2026-2030 ما هي إلا بمثابة إعلان عن مرحلة متقدمة في مسيرة التنمية الاقتصادية لمملكة البحرين، وهي مرحلة لا تتجاوز فقط الدعم التقليدي للشركات الصغيرة والمتوسطة ودعم العاملين في القطاع الخاص، بل تنتقل إلى هندسة الآثار الاقتصادية بشكل مستدام. إن القراءة المتأنية للمعطيات المتاحة لهذه الاستراتيجية تكشف عن رؤية تهدف إلى معالجة تحديات سوق العمل، والأهم هو سعيها إلى إعادة صياغة الهيكل الاقتصادي الوطني ليكون أكثر مرونة وتنافسية أمام التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة. وتستند هذه الانطلاقة الجديدة إلى أساس من الإنجازات المحققة خلال عقدين من الزمن، إذ ضخ الصندوق في الشريان الاقتصادي أكثر من 2.6 مليار دينار بحريني، وهو رقم يعكس حجم الالتزام الحكومي بتمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي للنمو.

إن النتائج التراكمية التي حققها “تمكين” حتى الآن – والمتمثلة في توفير أكثر من 300 ألف فرصة لتطوير الكوادر الوطنية، ودعم ما يصل إلى 92 ألف مؤسسة بتمويلات فاقت 920 مليون دينار بحريني – لم تكن مجرد أرقام إحصائية، بل كانت حجر الزاوية لبناء طبقة وسطى متعلمة وقطاع خاص قادر على الصمود أمام التحديات الاقتصادية والمحلية المتنوعة. ومع إطلاق استراتيجية 2026-2030، نجد أن التوجه قد انتقل بذكاء نحو الانتقاء الاستراتيجي لمجموعة واسعة من الأهداف الاقتصادية، إذ ركزت الأولوية الأولى على توجيه الجهود نحو المجالات ذات المردود الأعلى على الاقتصاد والمواطنين. هذا التحول الجديد يعني أن الدعم لم يعد متاحاً للجميع بشكل أفقي، بل أصبح موجهاً عمودياً نحو القطاعات الواعدة التي تضمن خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد البحريني، مما يرفع من كفاءة الإنفاق الحكومي ويحقق عوائد اقتصادية مضاعفة على المدى الطويل.

وفيما يخص رأس المال البشري، تضع الاستراتيجية رسم المسارات المهنية في صميم أولوياتها، وهي خطوة استباقية لمعالجة الفجوة بين مخرجات التعليم والاحتياجات الفعلية لسوق العمل. فمن خلال ربط المهارات المكتسبة بالفرص المتاحة فعلياً، تتحول عملية التدريب من مجرد تحصيل أكاديمي إلى تمكين وظيفي مباشر يخلق قيمة مضافة في سوق العمل. يضيف هذا النهج الجديد ضماناً يجعل المواطن البحريني هو الخيار الأول والأمثل – ليس فقط بدافع انتمائه الوطني، بل بفضل امتلاكه للمهارات التنافسية والمطلوبة في سوق العمل، التي يتطلبها اقتصاد المعرفة. لذا، فإن التركيز على تنمية المهارات في هذه الاستراتيجية سيؤدي بالضرورة إلى تحسين مستوى الأجور وزيادة الإنتاجية، مما ينعكس إيجاباً على القوة الشرائية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المستدام.

وعلى صعيد تطوير المؤسسات، تعد التمويلات الجديدة المبتكرة أحد أهم المخرجات الاقتصادية المتوقعة لهذه الاستراتيجية، لأن الانتقال من الطريقة التقليدية للتمويل إلى نماذج أكثر مرونة وابتكاراً سيحفز ريادة الأعمال، ويشجع الشركات الصغيرة والمتوسطة على التوسع خارج الحدود المحلية. هذا التحول الجديد سيسهم في خلق شركات بحرينية عابرة للقارات، وقادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية بفضل تنافسيتها، مما يعزز من صادرات المملكة غير النفطية. بالتوازي مع ذلك، فإن الالتزام بتطوير الآليات الداخلية وتعزيز الحوكمة داخل صندوق العمل تمكين يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين والشركاء تؤكد على أن بيئة الأعمال في مملكة البحرين تعمل وفق أعلى معايير الشفافية والفاعلية، الأمر الذي يرفع جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية المباشرة.

أما بالنظر إلى النتائج الاقتصادية على المدى الطويل، فإن هذه الاستراتيجية تمثل جسر العبور نحو رؤية البحرين الاقتصادية 2030، إذ من المتوقع أن يؤدي تكامل هذه الأولويات الأربع إلى خلق اقتصاد قائم على المعرفة والمهارة والابتكار، يقل فيه الاعتماد على تقلبات أسعار النفط لصالح الاستثمار في العقول والشركات المبتكرة. أهم ما يستخلص من هذه الاستراتيجية هو أن مملكة البحرين تراهن على النوعية لا الكمية؛ فالمؤسسات الوحيدة التي ستحصل على دعم تمكين ستكون تلك القادرة على الابتكار والنمو والاستدامة، والكوادر التي سيتم الاستثمار فيها هي تلك القادرة على قيادة التحول الرقمي والصناعي في مملكة البحرين. إن استراتيجية صندوق العمل “تمكين” للأعوام 2026-2030 ليست مجرد خطة تقليدية جديدة للصندوق، بل نقلة استراتيجية نوعية لمستقبل اقتصادي يكون فيه المواطن البحريني المحرك الأكبر لعجلة التنمية المستدامة والمستفيد الأول منها.

علي فقيه، محلل أول في إدارة الدراسات والبحوث

آخر تحديث : 19 فبراير 2026