دور التكنولوجيا في تعزيز الأمن الغذائي بمملكة البحرين: خطى استراتيجية ومبادرات تنموية
يشكل الأمن الغذائي عنصراً وجودياً لاقتصادات الأمم ويقع ضمن الأولويات الاستراتيجية لها. وعلى الرغم من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية التي زادت من حالة إنعدام الأمن الغذائي بحسب تقرير الأمن الغذائي لمنظمة الغذاء والزراعة (الفاو) الصادر في العام 2024م، إلا أن مملكة البحرين استجابت لهذه التحديات بحكمة وفعالية من خلال إطلاق العديد من المبادرات والمشاريع التنموية خلال السنوات الماضية لدفع مسيرة النمو في قطاع الزراعة والاستزراع السمكي، ويحظى ملف الأمن الغذائي باهتمام بالغ من قبل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه وبمتابعة مستمرة من صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظه الله، لما يمثله الملف من أهمية لمستقبل الوطن والأجيال. ففي العام 2021م، أطلقت حكومة مملكة البحرين الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2020-2030م بالتعاون مع منظمة الفاو، حيث ترتكز على تعزيز الانتاج المحلي وتشجيع التقنيات المبتكرة للزراعة وإنتاج الغذاء، والحد من هدر الطعام، وتنويع سلاسل التوريد.
ويتحقق الأمن الغذائي عندما تتحقق الشروط الأربعة لها، منها أن يحصل الأفراد على الغذاء الكافي في جميع الأوقات لتلبية احتياجاتهم الغذائية لحياة صحية ونشطة، وسهولة الوصول الآمن إلى الغذاء، ووجود غذاء آمن وصحي، وأخيراً إستقرار توافر الغذاء على المدى الطويل. ويتضمن كل شرط عوامل فرعية تسهل عملية قياس حالة الأمن الغذائي للدول رغم الاختلافات الجوهرية بين اقتصادات الأمم وحالة المجتمعات والشعوب.
وعلى الرغم من التحديات التي تواجه مملكة البحرين مثل ندرة الأراضي الزراعية، وعوامل تغير المناخ، ندرة الموارد الطبيعية، والاعتماد الكبير على استيراد الأغذية، إلا أنها استطاعت أن تخطو خطوات جدية لرفع مستوى الاكتفاء الذاتي من خلال عدة مبادرات ومشاريع تنموية ساهمت في استدامة الأمن الغذائي لديها. وتنقسم هذه المبادرات إلى مبادرات وطنية داخلية وخارجية. ومن ضمن السياسات الداخلية التي قامت بها حكومة المملكة هي دعم قطاع الزراعة والمزارعين من خلال الأدوات التشريعية والمالية والتقنية والتدريبية، وعمل أبحاث تجريبية لاستخدام التكنولوجيا في الزراعة، بالاضافة إلى إطلاق مشاريع الزراعة الأفقية والاستزراع السمكي في عدة مناطق في المملكة. حيث تشير الاحصائيات إلى إرتفاع إجمالي الإنتاج الزراعي إلى حوالي 58.5 ألف طن في عام 2024م من حوالي 38 ألف طن في عام 2015م، وهي زيادة تمثل حوالي الضعف منذ العقد الماضي. ويعود الفضل في ذلك إلى التقدم الملحوظ في استخدام الزراعة الذكية والزراعة في المحميات الخاضعة للتحكم والزراعة الأفقية. ومن المتوقع أن تساهم التكنولوجيا الحديثة باستخداماتها المتعددة مثل الذكاء الاصطناعي وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء (IoT) وغيرها من تكنولوجيات الاستزراع الصحراوي من الدفع بعملية التنمية في القطاع الزراعي وتأمين معدلات متوازنة للأمن الغذائي على المدى الطويل.
والجدير بالذكر أنه تم إطلاق المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي في 2010م، والتي تهدف إلى تنمية القطاع الزراعي من خلال تضافر الجهود لمختلف الجهات المختصة وأصحاب المصلحة في القطاع العام والخاص. وتقوم المبادرة بشكل سنوي بتنظيم معرض البحرين للحدائق والذي يهدف إلى دعم قطاعات الزراعة والبستنة وتوفير منصات لعرض الأفكار والابتكارات الزراعية في هذا المجال. وفي تقدم ملحوظ نحو تعاون القطاع العام والخاص، تم إنشاء شركة غذاء البحرين القابضة لتعزيز النمو والابتكار في قطاع الأغذية والزراعة ودعم جهود المملكة في تحقيق أمن غذائي مستدام، بالاضافة إلى إدارة الاحتياطي الغذائي في البحرين.
وقد حظي التعاون الإقليمي والعالمي بأهمية بالغة لدى المملكة ، فقد قامت البحرين بتنويع سلاسل التوريد الغذائية، وتعزيز التعاون الدولي لدعم الأمن الغذائي، مثل تعزيز التعاون على النطاق الاقليمي مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول منظمة الآسيان، وغيرها من المنظمات الدولية من خلال إتفاقيات وبرامج واستراتيجيات مشتركة.
على الرغم من الانجازات التي حققتها مملكة البحرين في ضوء رفع معدل الأمن الغذائي لديها وتصنيفها ضمن أفضل 50 دولة في حالة الأمن الغذائي، إلا أنه لا زالت هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها، وتكمن أهمية استخدام التكنولوجيا والأبحاث والدراسات في مجال الزراعة والأغذية ضمن الركائز الأساسية لمواجهة هذه التحديات، حيث سوف تسهم التكنولوجيا الزراعية في تطوير حلول مبتكرة ورائدة لزيادة الإنتاج الغذائي والزراعي، وتعزيز كفاءة الموارد المائية، بالاضافة لتحسين سلاسل الإمداد على المدى الطويل. وتضمن هذه الأدوات البحثية والتقنية الحديثة تحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل مستدام في ظل التغيرات المناخية والعالمية، ومن ذلك السياسات التي انتهجتها العديد من الدول التي تشبه البحرين جغرافياً مثل سنغافورة.
المصدر: أخبار الخليج
علي فقيه، محلل أول
