شراكة إقليمية-دولية لتعزيز القدرات البحرية اليمنية
إن المتتبع لتهديدات الأمن البحري التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية يجد أن تلك التهديدات ليست سوى نتيجة لسبب رئيسي وهو احتدام الصراعات الإقليمية التي من نتائجها عدم قدرة القوات البحرية في بعض الدول من الاضطلاع بمسؤوليتها في حماية سواحلها ومواجهة تهديدات الأمن البحري. وتقدم الحالة اليمنية مثالاً واضحاً على ذلك، إذ يبلغ إجمالي طول سواحل اليمن حوالي 2500 كم على البحر الأحمر وبحر العرب، والمنطقتان تمثلان أهمية استراتيجية بالغة للأمن البحري، ليس فقط على المستوى الإقليمي ولكن على المستوى العالمي في الوقت ذاته، وهنا تبرز أهمية إعلان كلٍّ من المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وألمانيا واليابان في 10 ديسمبر 2025م عن تشكيل لجنة دولية لتسيير الشراكة الأمنية البحرية مع اليمن،وهذه اللجنة هي أحد مخرجات المؤتمر الدولي الذي استضافته المملكة العربية السعودية في سبتمبر 2025م واستهدف مناقشة “سُبُل دعم قوات خفر السواحل اليمنية وتعزيز أمن البحر الأحمر”، وشاركت فيه أكثر من 35 دولة ومنظمة، وكان من أبرز نتائجه تعهد المملكة بتقديم 4 ملايين دولار لدعم خفر السواحل اليمني، بينما تعهدت الدول الأخرى المشاركة في المؤتمر بتقديم زوارق دوريات بحرية وأنظمة رادار ساحلية ومراكز قيادة حديثة وبرامج تدريب متقدمة.
ووفقاً للبيان الختامي لاجتماع تلك اللجنة، تم الإعلان عن أربعة أهداف؛ أولها: تأمين المجال البحري لليمن مع تعزيز قدرات خفر السواحل بما يمكّنها من حماية المياه الإقليمية لليمن، التي يبلغ مداها 12 ميلاً بحرياً من خط الأساس الساحلي وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م. وثانيها: ضمان التدفّق الآمن للتجارة الدولية عبر الممرات المائية الدولية، ومن بينها مضيق باب المندب الذي تشرف عليه اليمن شرقاً وجيبوتي غرباً. وثالثها: تعزيز مشاركة المرأة في تلك المبادرة، إذ يُعتبر دمج النساء في مجالات التجنيد والتدريب والقيادة مرتكزاً أساسياً لرفع جاهزية وكفاءة خفر السواحل، بما يتوافق مع المعايير الدولية المتّبعة في قطاع الأمن البحري. ورابعها: التوجه نحو توسيع إطار تلك الشراكة خلال عام 2026م، عبر ترسيخ التعاون الإقليمي والعالمي، وتقاسم الأعباء بين الدول المعنية بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، من خلال التعاون مع منظمات إقليمية ودول ساحلية لديها اهتمام بالحفاظ على أمن واستقرار الممرات المائية الدولية الحيوية بالنسبة للتجارة الدولية.
وفي تقديري، إن تأسيس تلك اللجنة أمر جدير بالاهتمام والمتابعة لثلاثة أسباب؛ الأول: إن الركيزة الأساسية لأي دولة ساحلية لمواجهة تهديدات الأمن البحري هي امتلاكها لقوات بحرية عالية الكفاءة لمواجهة تلك التهديدات، وهي عديدة، منها الهجرة غير الشرعية، والصيد الجائر، والقرصنة البحرية والإرهاب البحري؛ وكلها تحديات واجهتها اليمن، من بينها حادث تفجير المدمرة الأمريكية كول في عام 2000م باستخدام قارب مفخخ بتخطيط من تنظيم القاعدة، وراح ضحيته 17 بحاراً أمريكياً وأُصيب 39 آخرون. والثاني: جاءت تلك المبادرة بعد عامين من تأسيس تحالف حارس الازدهار في ديسمبر 2023م، والمُكوّن من قوات دولية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة البحرية في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في أعقاب بدء الحوثيين باستهداف السفن التجارية في تلك المنطقة، ما يعني وجود قناعة دولية بضرورة وجود آليات إضافية لمواجهة تهديدات من هذا النوع، والمدخل الأساسي هو دعم القوات البحرية للدول الساحلية، خصوصاً مع نجاح القوات البحرية اليمنية بالفعل في تنفيذ 34 عملية نوعية استهدفت سفناً وفرقاطات وزوارق بين عامي 2015 و 2021م، على امتداد الساحل الواقع تحت سيطرتها، فضلاً عن إجهاض عمليات إنزال وإبرار، واحتجاز عدد من السفن التي انتهكت حدود المياه الإقليمية اليمنية. والثالث: عكست المبادرة حقيقةً مؤدّاها أن حماية الأمن البحري هو مسؤولية إقليمية ودولية في الوقت ذاته، فهو مجال يعكس تشابك المصالح على نحو وثيق. وقد أدّت التكنولوجيا الحديثة إلى تعزيز هذا التشابك، خصوصاً بعدما تم توظيفها على نحوٍ سيّئ من قِبَل الجماعات المسلحة دون الدول لتهديد الأمن البحري، وهو ما ينذر بخسائر وتحديات غير مسبوقة مع زيادة وتيرة اعتماد كافة دول العالم على الممرات والمسارات البحرية في تجارتها.
ومع أهمية اللجنة، سواءً من حيث المضمون أو التوقيت يثار تساؤلان ؛ الأول: ما هو تأثير مثل تلك المبادرات على الأطر الإقليمية الراهنة التي من أهدافها حماية الملاحة البحرية في تلك المنطقة، وخصوصاً مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن (وهو مبادرة سعودية أُطلِقَت في يناير 2020م بعضوية اليمن؟ والثاني: ما هي آليات حماية الأمن البحري في البحر الأحمر وفقاً لتصورات تلك اللجنة؟
وهما تساؤلان استراتيجيان ويعكسان الاستراتيجيات الإقليمية والدولية لتحقيق الأمن البحري في تلك المنطقة، وربما تشمل ترتيبات الأمن الإقليمي، الذي يشهد مرحلة بالغة التعقيد، سواءً بالنظر إلى مضامين أو أطراف ذلك الأمن، الذي يُعتبر أساساً لتحقيق الأمن الدولي في الوقت ذاته.
د. أشرف محمد كشك
مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية