• 0097317754757
  • info@derasat.org.bh

في إطار مكافحة السمنة والسكري، قد تكون سياسة الضرائب الجديدة على السكر في دولة الإمارات العربية المتحدة سلاحًا فعالًا

الرئيسية / الدراسات الاقتصادية / في إطار مكافحة السمنة والسكري، قد تكون سياسة الضرائب الجديدة على السكر في دولة الإمارات العربية المتحدة سلاحًا فعالًا

يمثل قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بالانتقال من ضريبة ثابتة على المشروبات السكرية إلى ضريبة تعتمد على كمية السكر لكل 100 ملليلتر خطوة إيجابية في مواجهة مشكلتي السمنة والسكري. إلا أن تضمين مثل هذه التدخلات ضمن مقاربات شاملة للصحة العامة لا يقل أهمية، لا سيّما وأن البشر يواجهون صعوبة مستمرة في مقاومة الجاذبية الفطرية للكربوهيدرات.

استخدام الأسعار كأداة لتعديل السلوك

هناك العديد من الوسائل الممكنة لتغيير سلوك الأفراد، غير أن الاقتصاديين عادة ما يقترحون استخدام الأسعار كأداة فعّالة. وفي حالة تقليل استهلاك السكر، فإن ذلك يعني فرض ضريبة تجعل المنتجات الغنية بالسكر أكثر تكلفة – وهي ما تُعرف غالبًا بـ”ضريبة السلوكيات الضارة” أو “ضريبة الخطيئة”.يمكن تطبيق هذا المبدأ المباشر بطرق مختلفة.

النهج الإماراتي ضمن استراتيجية متكاملة

لطالما تبنّت القيادة الإماراتية استراتيجية شاملة للتعامل مع التحديات المعقدة المرتبطة بالخيار الغذائي غير الصحي. وتُعد أكثر طرق التطبيق المباشر هي فرض ضريبة على السلع ذات المحتوى العالي من السكر، وهو النهج الذي اختارته الإمارات، كما سبق أن اعتمدته العديد من الدول. وتتمثل الميزة الرئيسية لهذا الأسلوب في بساطته الإدارية، إذ يتعيّن على السلطات فقط تحديد ما إذا كانت السلعة مشمولة بالضريبة، ثم تطبيقها. ومن الأمثلة البارزة على هذا النهج: السجائر، التي تُباع للمستهلكين بأسعار تفوق تكلفة إنتاجها بكثير نتيجة الضرائب الانتقائية المفروضة عليها في مختلف دول العالم.

ثغرات هذا النموذج وضبط السلوك الإنتاجي

غير أن أحد التحديات المحتملة لهذا النموذج هو أنه قد يدفع المنتجين إلى إعادة تعريف وحدة المنتج للحد من تأثير الضريبة. وقد شهدنا مثالًا تاريخيًا على ذلك في القرن الثامن عشر، حين فرضت الحكومة البريطانية ضريبة طوابع على الصحف استنادًا إلى عدد صفحاتها، فاستجاب الناشرون بزيادة حجم الصفحة وتقليص عدد الصفحات، ما أدى إلى نشوء ما يُعرف اليوم بصحيفة “البروادشيت” كبيرة الحجم.وفي السياق الحديث للمشروبات السكرية، يتجلّى السلوك المماثل في قيام المنتجين بزيادة تركيز السكر أو حجم العبوة، ما يعني أن بعض المستهلكين قد ينتهي بهم الأمر إلى استهلاك كميات أكبر من السكر رغم فرض الضريبة. وبالتالي، فإن الأثر الصافي على الاستهلاك المجتمعي للسكر قد يكون محدودًا بل وغير محدد.

النموذج النسبي كوسيلة لسد الثغرات

إدراكًا لهذه الإشكالية، لجأت بعض الدول – مثل المكسيك والمملكة المتحدة – إلى تطبيق ضريبة تعتمد على حجم السكر المقدم في كل وحدة من المنتج، بدلاً من النظام الثنائي الذي قد يحفز المنتجين على رفع تركيز السكر.ويُعد هذا التوجه مشابهًا للتحوّل الناجح في سياسات الضرائب على الوقود. ففي بدايات القرن العشرين، كانت الضريبة تُفرض على المركبات بمعدل ثابت، ما شجع على اقتناء السيارات الكبيرة دون أن يؤثر ذلك على مقدار استخدامها. ولكن مع اعتماد ضريبة نسبية على الوقود، أصبح لدى السائقين حافز لاقتناء سيارات أصغر واستخدامها بشكل أقل، والتحول إلى وسائل بديلة كالمشي وركوب الدراجات والنقل العام لتقليل التكاليف. ويظهر أثر هذا التحول بوضوح عند مقارنة حجم السيارات المستخدمة في الدول ذات الضرائب المنخفضة على الوقود بتلك في الدول ذات الضرائب المرتفعة.

تحديات التطبيق في البيئة الإماراتية

تسعى الإمارات اليوم إلى تحقيق أثر مماثل على استهلاك المشروبات السكرية. إلا أن أحد التحديات المرتبطة بذلك يتمثل في الجانب الإداري: قياس محتوى السكر بدقة وضمان عدم تلاعب المنتجين بالأرقام يتطلب موارد رقابية كبيرة، وهو أحد الأسباب التي تدفع بعض الحكومات للاستمرار في اعتماد الضرائب الثابتة.

محدودية التأثير المباشر وضرورة التوسع في المعالجة

لكن التحدي الأبرز أمام صانعي السياسات هو أن استهلاك المشروبات السكرية يساهم بنسبة محدودة فقط في النتائج الصحية السلبية التي يسعون إلى الحد منها، مثل السمنة والسكري وأمراض القلب. إذ تلعب عوامل غذائية أخرى، إلى جانب نمط الحياة – مثل ممارسة الرياضة وجودة النوم – دورًا مهمًا أيضًا.ومع ذلك، فإن هذه السياسة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو معالجة بعض من أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث.

رفض مغالطة “النقطة في بحر”

وقد أحسنت حكومة الإمارات صنعًا بتجنب ما يُعرف بـ”مغالطة النقطة في بحر”، والتي تدفع البعض إلى الامتناع عن اتخاذ خطوات صغيرة بدعوى عدم جدواها، رغم أن الإنجازات الكبيرة غالبًا ما تُبنى على تراكم الجهود الصغيرة. لطالما تبنّت القيادة الإماراتية استراتيجية شاملة للتعامل مع مشكلات الصحة الناتجة عن الخيارات الفردية غير السليمة، ولا شك أن كل خطوة، مهما كانت بسيطة، تُحدث فرقًا – بما في ذلك ضريبة السكر هذه.

مسؤولية الأفراد: نحو نمط حياة أكثر وعيًا

الكرة الآن في ملعب المواطنين، فهم مدعوون للمساهمة بدورهم عبر تبني أنماط حياة أكثر مسؤولية ووعيًا من أجل تحسين صحتهم وصحة مجتمعهم.
المصدر: صحيفة ذا ناشيونالالدكتور عمر العبيدلي، مدير دراسات الاقتصاد والطاقة، مركز “دراسات”
آخر تحديث : 30 أكتوبر 2025