قمة البحرين: جسر نحو تعزيز المواطنة الخليجية
شهدت منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ تأسيسها في عام 1981م، العديد من التحولات التي جعلتها واحدة من أبرز التكتلات على مستوى العالم، وذلك انطلاقًا من الثقل السياسي والاقتصادي الذي تحظى به دولها الأعضاء، بالإضافة إلى ما أبرزه التعاون في إطار هذه المنظومة من إسهامات تنموية واضحة انعكست على جودة حياة مواطنيها، وأسهمت في ترسيخ مفهوم “المواطنة الخليجية” على أرض الواقع، وهو الأمر الذي تثبته العديد من المؤشرات، التي تبدأ منذ لحظة العبور السلس للمواطن الخليجي عبر منافذ الدول الخليجية الأخرى، وتصل إلى سهولة مزاولة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية فيها.
ومع اقتراب ترؤس واستضافة مملكة البحرين لأعمال الدورة السادسة والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، تبدو المسيرة الثرية لمنظومة مجلس التعاون بحاجة إلى قراءة معمّقة في أبرز المحطات التي دفعت بعجلة التنمية الخليجية المشتركة، وأسست لواقع مزدهر يعيشه المواطن الخليجي.
فبالعودة إلى عام 2007م، ترسَّخ مفهوم “المواطنة الاقتصادية الخليجية” مع إقرار المجلس الأعلى لإعلان الدوحة القاضي بإنشاء السوق الخليجية المشتركة. وقد استند هذا التوجّه إلى المبدأ الذي نصّت عليه المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية الخليجية، والمتمثّلة في توحيد المعاملة بين مواطني دول المجلس في مختلف المجالات الاقتصادية. كما قامت السوق المشتركة على مجموعة من المسارات الأساسية، أبرزها: التنقل والإقامة، والعمل في القطاعين العام والخاص، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وتنقُّل رؤوس الأموال، والتعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية.
ففي مجال التنقُّل والإقامة، تشير أحدث الإحصاءات المنشورة في عام 2024م إلى أن السياحة البينية شهدت تنقل 18.3 مليون سائح خليجي بين دول المجلس. أما آخر إحصائيات شاملة جرى نشرها في عام 2023م، فتعكس تطوُّرًا واضحًا في عدة مسارات؛ إذ بلغ عدد المواطنين الخليجيين العاملين في قطاعات حكومية وأهلية بدول خليجية أخرى 35,200 مواطنًا ومواطنة، ووصل عدد المستفيدين من أنظمة التقاعد والتأمينات الاجتماعية عبر دول المجلس إلى 33,400. وفي القطاع المالي، ارتفع عدد فروع البنوك التجارية الخليجية المرخّصة في الدول الأعضاء الأخرى إلى 29 فرعًا، مدعومًا بالتقدم في مجال التحوُّل الرقمي، ولا سيّما عبر النظام الآنيّ للمدفوعات الخليجية “آفاق”، الذي قلّص الوقت اللازم لتنفيذ التحويلات العابرة للحدود.
وفي مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، بلغ عدد الطلبة الخليجيين الدارسين في مؤسسات التعليم العالي الحكومية بدول المجلس الأخرى 6,858 طالبًا وطالبة، في حين وصل عدد المستفيدين من خدمات العلاج الحكومي في الدول الأعضاء إلى 562,000 مواطنًا ومواطنة.
وبالانتقال من إنجازات الماضي إلى تطلُّعات المستقبل، فإن مجلس التعاون يسير بخُطىً ثابتة نحو تعزيز التكامل بين دوله، انطلاقًا من الرؤى السديدة لقياداته، والدعم الشعبي الذي تحظى به هذه المنظومة التي تعبّر عن وحدة الدم والمصير، حيث يعمل المجلس على طرح العديد من المشروعات النوعية التي من شأنها أن تعزز من الترابط بين دوله، وأن تُسهم في تسهيل تنقّل المواطنين ورؤوس الأموال، والاستفادة من الخدمات، ولعل أبرزها مشروع سكة الحديد بين الدول الأعضاء، الذي وافق المجلس الوزاري في اجتماعه في عام 2023م على أن يكون التاريخ المستهدف لتشغيلها بالكامل هو ديسمبر 2030م، ليشكّل ذلك شريانًا حيويًا جديدًا في الاقتصاد الخليجي، وداعمًا قويًا للروابط الاجتماعية بين مواطني الدول الأعضاء.
وبالوصول إلى قمة البحرين 2025م، تقف دول مجلس التعاون أمام غاية رئيسية تتمثّل في تعميق مسار التعاون الخليجي المشترك، وذلك من خلال ترجمة التوصيات والمبادرات الخلّاقة التي عكفت عليها اللجان الخليجية المشتركة طيلة العام الماضي إلى قرارات تتحوّل إلى واقع ملموس، بما يعزّز مفهوم المواطنة الخليجية، ويسهم في رفع جودة الحياة لمواطني الدول الأعضاء.
عبدالرحمن ابراهيم الفزيع
محلّل أول – إدارة الدراسات والبحوث