مصفاة البحرين … ما الذي لا يفهمه النظام الإيراني؟
إن استهداف المنشآت الحيوية في مملكة البحرين، وفي مقدمتها مصفاة نفط بابكو، يكشف مرة أخرى عن عجز النظام الإيراني عن فهم طبيعة التجربة البحرينية ومسارها التنموي. فمثل هذه الاعتداءات لا تعكس قوة أو قدرة استراتيجية، بقدر ما تعكس فهماً قاصراً يختزل قوة الدول في منشآتها أو مواردها الطبيعية، بينما قامت التجربة البحرينية منذ بداياتها على أساس مختلف تماماً: بناء الإنسان، وتعزيز المعرفة، وترسيخ المؤسسات.
لقد أدركت القيادة في مملكة البحرين منذ وقت مبكر أن التنمية الحقيقية لا تقوم على الموارد وحدها، بل على الإنسان القادر على إدارتها وتطويرها. ولهذا كانت البحرين من أوائل دول المنطقة التي أرست دعائم التعليم النظامي مع تأسيس مدرسة الهداية الخليفية في عام 1919م، لتبدأ بذلك مسيرة تعليمية طويلة أسهمت في إعداد الكفاءات الوطنية التي قادت مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة والصناعة. ومنذ ذلك الحين ارتبط تطور الاقتصاد البحريني بسياسات واضحة ركزت على بناء القدرات الوطنية وتأهيل الإنسان البحريني ليكون شريكاً أساسياً في إدارة الصناعات الحديثة وتطويرها.
غير أن ما يبدو أن النظام الإيراني لا يدركه هو أن استهداف المنشآت لا يغير من حقيقة أساسية، وهي أن قوة البحرين لا تكمن في منشآتها فقط، بل في مجتمعها وفي التلاحم الوطني العميق بين شعبها وقيادتها. فهذا التلاحم الذي تشكل عبر سنوات من العمل الوطني هو مصدر الاستقرار والقوة في المملكة، وهو الذي مكن البحرين من مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص للنمو والتطور. وفي المقابل، يقدم النظام الإيراني نموذجاً معاكساً تماماً. فبدلاً من توجيه موارد بلاده نحو التنمية والازدهار، اختار أن يستنزف مقدرات شعبه في سياسات التوتر الإقليمي، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ونشر الفوضى في محيطه. إن نظاماً يبدد ثروات شعبه في مشاريع عسكرية وصراعات خارجية، بينما يعاني شعبه أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، لا يمكنه أن يفهم معنى التنمية التي تقوم على بناء الإنسان والمؤسسات.
لذا فإن الاعتداء على المنشآت الحيوية في البحرين لا يعكس القوة بقدر ما يعكس مأزقاً سياسياً وفكرياً لنظام اختار طريق التخريب بدلاً من البناء. فالدول التي تبني مستقبلها بالعلم والعمل والاستثمار في الإنسان لا تهتز أمام مثل هذه المحاولات اليائسة. إن مملكة البحرين، كما هو الحال في بقية دول الخليج العربي، اختارت أن تتجه نحو المستقبل عبر التنمية والاستقرار وبناء الاقتصاد القائم على المعرفة. أما الأنظمة التي تعيش في منطق الصراع الدائم وتستثمر مواردها في أدوات الدمار، فغالباً ما تعجز عن فهم هذه المعادلة.
وهنا يكمن الخطأ الجوهري في حسابات النظام الإيراني. فاستهداف المنشآت لا يمكن أن يغير حقيقة راسخة مفادها أن قوة البحرين تنبع من مجتمعها، ومن التلاحم العميق بين شعبها وقيادتها، ومن تجربة تنموية تشكلت عبر سنوات من العمل المشترك والاستثمار في الإنسان. ولهذا ستظل مملكة البحرين قادرة على مواصلة مسيرتها التنموية بثقة، لأن الأساس الذي قامت عليه هذه المسيرة ليس منشأة هنا أو مشروعاً هناك، بل إنسان مؤمن بوطنه، وقيادة ترى في التنمية مشروعاً وطنياً متجدداً.
الدكتور عبدالله العباسي, مدير برنامج دراسات الطاقة والبيئة.
