مملكة البحرين في قلب المشهد الدبلوماسي واحتواء الأزمات
تجسد الدبلوماسية البحرينية – في ظل التصعيد العسكري الراهن في المنطقة، منذ اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير 2026م – نموذجاً للمقاربة الرصينة التي تستمد ثباتها من رؤية القيادة الحكيمة. إذ رسم حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ملامح الاستراتيجية الوطنية بالتأكيد على أن مملكة البحرين ستظل دولة سلام تنتهج سياسة التعاون وحسن الجوار. وقد شدد جلالته على أن الهجمات التي تعرضت لها المملكة وعدد من الدول العربية تمثل اعتداءات غير مسبوقة لا يمكن تبريرها، معتزاً بجاهزية قوة دفاع البحرين وكافة الأجهزة المعنية في تصدّيها لهذه التهديدات المستمرة وحماية السيادة الوطنية. وفي ذات السياق القيادي، جاء التحرك التنفيذي متمثلاً في المشاركة الفاعلة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في التنسيق رفيع المستوى لبلورة موقف موحد يضمن احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع، ومن ذلك الاجتماع الذي عُقد عبر الاتصال المرئي مع عدد من أصحاب الجلالة والسمو والفخامة قادة وممثلي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي لبحث المستجدات الإقليمية في ضوء الهجمات الإيرانية.
وعلى الصعيد الإقليمي، انطلقت المنامة من إيمان عميق بمبدأ التكامل الأمني والدبلوماسي، باعتبار أن أمن الخليج العربي هو عصب رئيسي في منظومة مترابطة لا تتجزأ. وفي هذا السياق، ترأس سعادة الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، الاجتماع الاستثنائي الخمسين للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، الذي أدان الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وشدد على الحق الأصيل لدول المجلس في الدفاع عن نفسها جماعياً وفق ميثاق الأمم المتحدة. ونجحت الدبلوماسية البحرينية في تعزيز هذا التكامل عبر توسيع دائرة التضامن لتشمل المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية العراق وجمهورية تركيا وجمهورية أذربيجان، مؤكدةً أن العمل الجماعي هو الأداة الأنجع لإدارة تداعيات الأزمة العابرة للحدود.
أما على المسار الدولي، فقد استطاعت مملكة البحرين تفعيل مفهوم التكامل الدولي عبر ربط الأمن الوطني باستقرار المصالح العالمية؛ إذ قدم سعادة السفير جمال فارس الرويعي، المندوب الدائم للمملكة لدى منظمة الأمم المتحدة، مشروع قرار نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن يدين الهجمات المستمرة. وأثمر هذا الجهد عن اعتماد مجلس الأمن للقرار رقم 2817، بعد حصوله على تأييد 13 دولة من أعضاء المجلس وإجمالي 135 دولة من أعضاء الأمم المتحدة، مما عكس تكاتفاً دولياً غير مسبوق مع الموقف البحريني. ومن خلال هذا التحرك، نجحت المنامة في نقل الأزمة إلى إطارها الدولي، بوصفها قضية ترتبط بسلامة الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بما يعكس إدراكاً بأن مواجهة التهديدات المعاصرة تتطلب تضافر الجهود الوطنية ضمن إطار الشرعية الدولية.
وختاماً، إن النجاح الذي تحققه مملكة البحرين رغم استمرار هذه الحرب يبرهن على فاعلية “دبلوماسية الاتزان” التي تجمع بين الحماية الوطنية والشرعية الدولية، إذ أثبتت المنامة أن احتواء الأزمات الكبرى المفتوحة على كافة الاحتمالات يكون من خلال بناء جبهة أخلاقية وقانونية دولية، تحول التهديدات الإقليمية إلى مسؤولية عالمية مشتركة. وبذلك، تظل التجربة البحرينية الراهنة مرجعاً حياً في إدارة الصراعات المعقدة، وقدرتها على صيانة الأمن القومي دون المساس بفرص السلام الدائم في المنطقة.
تسنيم عبدالله عيسى، باحث مساعد في إدارة الدراسات والبحوث، مركز “دراسات”
