نجاح الدبلوماسية البحرينية والخليجية في مجلس الأمن: عولمة استنكار الاعتداءات الإيرانية على أمن وسيادة دول الخليج العربي  

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / نجاح الدبلوماسية البحرينية والخليجية في مجلس الأمن: عولمة استنكار الاعتداءات الإيرانية على أمن وسيادة دول الخليج العربي  

في خضم  الأزمات التي تواجهها الدول، تبرز الدبلوماسية كخط دفاع أمامي في ظل تباين مواقف الدول من تلك الأزمات بسبب حرب الشائعات التي احتدمت بفعل وسائل الاتصال الحديثة. هنا يكتسب العمل الدبلوماسي أهميته من ثلاث جوانب. الأول: إيصال الصورة الحقيقية لدول العالم حول واقع الأزمة وتداعياتها الأمنية، والثاني: اختبار شراكات الدول، وخاصةً في ظل توازنات القوى وتباين المصالح داخل المنظمات الدولية. والثالث: قدرة الدول على العمل داخل دهاليز المنظمات الدولية.

وبناءً على ما سبق، فإن القرار رقم 1817، الذي اعتمده مجلس الأمن بتاريخ 11 مارس 2026م،  والذي قدمت مملكة البحرين مشروعه – نيابةً عن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية – وتضمن إدانة هجمات إيران على عدد من دول المنطقة، واعتبارها خرقاً للقانون الدولي، وتهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين، والمطالبة بوقفها على الفور واحترام حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وفقاً للقوانين الدولية – قد حظي بتأييد 13 عضواً مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، ما يُعد نصراً دبلوماسياً لمملكة البحرين والدول التي قدمت مشروعه نيابةً عنها. 

تبلور هذا النجاح في ضوء ثلاث حقائق. أولاً: تأييد 135 عضواً في الأمم المتحدة لمشروع القرار من إجمالي الدول الـ 193 الأعضاء، ما يعني اقتناع غالبية دول العالم بإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضي مملكة البحرين وسائر الدول الشقيقة المتضررة، والمطالبة بوقفها على الفور لانتهاكها ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تنص على صيانة أمن الدول وسيادتها، خاصةً وأن دول الخليج العربي ليست طرفاً في الحرب، بل كانت وسيطاً نزيهاً بين إيران والولايات المتحدة، وتريد – وما زالت – حل الخلافات بالوسائل السلمية. وثانياً: عكست نتيجة التصويت على القرار نجاح واعتمادية الشراكات الدولية لمملكة البحرين ودول الخليج العربي، خصوصاً عندما أشار مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن مايك والتز إلى استهداف مصفاة النفط في مملكة البحرين، التي يعود تاريخها إلى تسعين عاماً، مستنكراً استهداف المنشآت الحيوية في المملكة وبقية دول الخليج العربي. وثالثاً: الجهود المثمرة لعمل بعثة مملكة البحرين الدائمة في الأمم المتحدة، خلال فترة العضوية غير الدائمة للمملكة في مجلس الأمن (2026-2027)، إذ شكلت الأزمة تحدياً هائلاً، وبالأخص مع تزامن تقديمها لمشروع القرار مع تقديم روسيا لمشروع شبيه، لكنه لم يحصل على العدد الكافي من الأصوات، إذ أيده 4 أعضاء فقط وعارضه عضوان وامتنع 9 أعضاء عن التصويت، ما يعني أن معركة البحرين الدبلوماسية داخل المنظمة الأممية كانت مزدوجة، وهي كيفية إقناع دول العالم بمدى الضرر الذي واجهته المملكة والدول الشقيقة، بالتزامن مع حشد الأصوات لمشروع القرار في ظل وجود قرار آخر مقدم من دولة عضو دائم في مجلس الأمن، ولديها شراكات ومصالح متنوعة مع الدول الأعضاء في المنظمة  الأممية.

 

إن الدور الناجح لمملكة البحرين ودول مجلس التعاون في المنظمة الأممية يتركز على خبرة تاريخية. فخلال الحرب العراقية -الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، نجحت دول مجلس التعاون أيضاً في حث مجلس الأمن على إدانة تهديد الملاحة البحرية آنذاك – وكانت إيران طرفاً في تلك التهديدات – من خلال القرار رقم 552 الصادر في 1 يونيو 1984م، وتضمن “مناشدة جميع الدول احترام حق حرية الملاحة طبقاً للقانون الدولي، والتأكيد على ذلك الحق في المياه الدولية والطرق البحرية للسفن المتجهة من وإلى جميع موانئ ومنشآت الدول الساحلية التي ليست طرفاً في الأعمال العدائية، وإدانة الاعتداءات على السفن التجارية المتجهة من وإلى موانئ دولة الكويت والمملكة العربية السعودية، والمطالبة بوقف هذه الاعتداءات فوراً، وعدم اعتراض أية سفينة متجهة من وإلى الدول التي ليست طرفاً في الأعمال العدائية”. الجدير بالذكر أن ديباجة هذا القرار قد أشارت إلى الرسالة المؤرخة في 21 مايو عام 1984م والواردة من ممثلي دول مجلس التعاون الست، والتي تتضمن شكوى تلك الدول من الاعتداءات الإيرانية على السفن التجارية المتجهة من وإلى موانئ دولة الكويت والمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون، والتي تتسم بالاعتدال، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وحل النزاعات بالسبل السلمية، وهي ذاتها مضامين ومبادئ المنظمة الأممية والقوانين الدولية.

 

إن مملكة البحرين ودول الخليج العربي – انطلاقاً من هذا النجاح الأممي – قد وثّقت للتاريخ أنها لم تكن قط من دعاة الحروب، وإنما السلام هدفها والتسامح والتعايش وسيلتها، وأنها لم تكن قط طرفاً في أي صراعات، برغم ما تعرضت له من اعتداءات طالت منشآتها الحيوية، مع الاحتفاظ بحقها الكامل في الدفاع عن نفسها، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

 

أخيراً وليس آخراً، في تقديري أن نجاح بعثة مملكة البحرين لدى الأمم المتحدة، خلال تلك المعركة الدبلوماسية غير المسبوقة، يعكس مهارة وقدرة أبناء المملكة في التعبير عن مصالحها ومصالح أشقائها وشركائها الذين فوضوها، والدفاع عنها في  كافة الميادين، ومنها العمل الدبلوماسي، لكشف ادعاءات تجافي الواقع خلال هذه الأزمة.    

د. أشرف محمد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية مركز “دراسات”

آخر تحديث : 12 مارس 2026