أمن الملاحة البحرية في المضائق الدولية مسؤولية كافة دول العالم

الرئيسية / الأبحاث والتحليلات / أمن الملاحة البحرية في المضائق الدولية مسؤولية كافة دول العالم

في العالم ثمانية ممرات مائية دولية بالغة الأهمية لدورها في التجارة الدولية عبر البحار، والتي زادت أهميتها خلال السنوات الأخيرة بالنظر إلى رخص النقل البحري مقارنةً بسائر وسائل النقل من ناحية، والتشابك غير المسبوق لمصالح دول العالم من ناحية ثانية، إلا أن تلك الممرات المائية – رغم أهميتها الاستراتيجية – تتسم بضيق مساحتها إلى درجة صارت معها تسمى بـ “نقاط الاختناق البحري”، فضلاً عن وقوع بعضها في مناطق مضطربة، وامتداد نزاعات الحدود البحرية بين الدول المشاطئة لتلك الممرات، ما يجعل لها تفسيرها الخاص ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، التي حددت حقوق وواجبات الدول في مناطق المياه الخمس التي تناولتها.

من بين تلك الممرات البحرية مضيق هرمز، الذي يمر عبره 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي حوالي 20% من استهلاك النفط العالمي و27% من تجارة النفط البحرية، ويعتبر المنفذ البحري الوحيد لنفط وتجارة كلٍّ من دولة الكويت ومملكة البحرين ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية العراق، وتتجه تلك الصادرات النفطية إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية والدول الأوروبية والولايات المتحدة. ويقع المضيق بين سلطنة عمان وإيران بطول حوالي 90 ميلاً بحرياً، وعرضه عند أضيق نقطة حوالي 22 ميلاً بحرياً، ويربط بين الخليج العربي شمالاً وخليج عمان وبحر العرب جنوباً. وتعكس تلك المعلومات حقيقة مهمة مؤداها أن المضيق – رغم وقوعه في المياه الإقليمية لكلٍّ من سلطنة عمان وإيران – فإنه يصنف ضمن الممرات المائية الدولية التي أوجدت الاتفاقية الأممية لقانون البحار المشار إليها حقوقاً وواجبات للدول المشاطئة لها للسماح بمرور سفن دول العالم كافة دون مضايقة.

وبنظرة للصراعات الإقليمية في المنطقة، نجد أن الأمن البحري كان سبباً في تأسيس تحالفات عسكرية لحماية التجارة عبر مضيق هرمز، بدءاً بالحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، وما تخللها من اعتداءات طرفي الحرب على السفن المتجهة من وإلى موانئ دول مجلس التعاون، ما حدا بإدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان إلى تأسيس تحالف بحري عرف بـ “تحالف الراغبين” واستطاع حماية تلك السفن وتأمين الملاحة في الخليج العربي؛ ومروراً بالتحالف البحري العسكري لأمن الملاحة في الخليج الذي تأسس في عام 2019م خلال فترة الرئاسة الأولى لدونالد ترامب، وضم 6 دول إلى جانب الولايات المتحدة، وهي: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين والمملكة المتحدة، وأستراليا، وألبانيا؛ وانتهاءً بـ “تحالف حارس الازدهار” الذي تأسس خلال إدارة الرئيس جو بايدن في عام 2023م لحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، وشاركت فيه  مملكة البحرين دون سواها من منطقتي الخليج العربي والعالم العربي.

ومع التسليم بتعدد تهديدات الأمن البحري، لوحظ أنها لا تخص دولة بعينها، فكما سبقت الإشارة، الممرات المائية هي شرايين العالم الاقتصادية، وعند تهديد أمنها وسلامتها فإن الأمر لا يعني مجرد قرار البحث عن طرق بديلة تجنباً للمخاطر، وإنما يشمل تبعات زيادة أسعار التأمين على السفن، وتلف البضائع، وتهديد تصدير النفط من الدول المنتجة إلى المستهلكة، وما يترتب على ذلك من زيادة أسعار النفط، ومن ثم التضخم وبطء النمو، وتبعات اقتصادية أخرى، لذا لم يكن هناك تسامح دولي قط مع حالات تهديد الملاحة البحرية في منطقة الخليج العربي.

بناءً على ما سبق، فإن التهديدات الراهنة غير المسبوقة التي يشهدها مضيق هرمز نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تفرض على دول العالم كافة المساهمة في فتح وتأمين المضيق للملاحة البحرية، لما لها من مصالح استراتيجية فيه، ولانسياب حركة التجارة العالمية بوجهٍ عام. كما أن تردد بعض دول العالم في تلبية دعوة الرئيس ترامب لتشكيل تحالف دولي لأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز يعني تخاذل المجتمع الدولي عن حماية مصالحه المشتركة. صحيح أن هناك تساؤلات تثار حول طبيعة التحالف وأهدافه وحدود مساهمة الدول فيه، ويمكن القول بأن القرار رقم 2817 الذي أصدره مجلس الأمن في 11 مارس 2026م بناءً على مشروع قرار مقدم من مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن وحظي بتأييد 13 دولة من أعضاء مجلس الأمن، ورعاية 135 دولة للقرار ،يعكس رؤية دول العالم لمسألة أمن الملاحة، إذ تضمن فقرة واضحة وصريحة حول حرية الملاحة البحرية وفقاً للقانون الدولي، وإدانة “أي أعمال أو تهديدات تصدر عن إيران بهدف إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية فيه”. من ناحية أخرى، لدى الولايات المتحدة خبرات في تأسيس وقيادة التحالفات عموماً، وحماية الملاحة البحرية على نحو خاص. ومن ناحية ثالثة، لا يعني مصطلح التحالف بالضرورة إلزام الدول بإرسال سفن حربية، ولكن فكرة تحالف الراغبين هي أن كل دولة تسهم بما يكمن تقديمه لتحقيق مصلحة دولية مشتركة هي أمن الملاحة البحرية.

إن إخفاق دول العالم في إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة البحرية سيكون إخفاقاُ للإرادة الدولية ذاتها، ويعني أن المصالح الحيوية لدول العالم – ومنها حماية الأمن البحري – ستظل عرضة لصراعات ونزعات الهيمنة، ما يتطلب إدراك دول العالم بأن ضمان أمن الملاحة البحرية هو ضمان رخائها ورفاهية شعوبها واستدامة إنجازاتها التنموية.

د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والإستراتيجية بمركز “دراسات”

آخر تحديث : 19 مارس 2026