اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين مملكة البحرين وفرنسا: شراكة أمنية نوعية بين البلدين
خلال زيارة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، للجمهورية الفرنسية في 6 فبراير 2026م، ولقائه بفخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تم التوقيع على اتفاقية التعاون المشترك في مجال الدفاع. وقع الاتفاقية عن مملكة البحرين سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مستشار الأمن الوطني الأمين العام لمجلس الدفاع الأعلى، وعن الجانب الفرنسي معالي السيدة أليس روفو، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة القوات المسلحة والمحاربين القدامى.
ووفقاً للمعلومات التي تناقلتها وكالات الأنباء المختلفة حول مضمون الاتفاقية، تتضمن الاتفاقية ثلاثة أمور؛ الأول: التدريب وتبادل المعلومات الاستراتيجية. والثاني: التعاون الصناعي في مجال الدفاع. والثالث: تعزيز التضامن بين الدولتين في إطار حالة التوتر الجيوسياسي على المستويين الإقليمي والعالمي.
وقبيل الحديث عن أهمية ومجالات التعاون النوعي الثلاثة للبلدين، ينبغي التأكيد على أن فرنسا لم تكن بعيدة عن الإسهام بدور مهم في الحفاظ على أمن الخليج العربي عموماً، بدءاً بالمشاركة بأسلحة متنوعة ضمن تحالف عملية (الإرادة الجادة)، التي شكلتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لحماية ناقلات النفط خلال الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي؛ ومروراً بالمشاركة في التحالف الدولي لتحرير دولة الكويت بقيادة الولايات المتحدة في عام 1991م؛ ثم تدشين قاعدة عسكرية في دولة الإمارات العربية المتحدة (معسكر السلام) في عام 2009م، والتي تقع بالقرب من مضيق هرمز؛ وصولاً إلى تأسيس وقيادة مهمة “للتوعية البحرية الأوروبية” في مضيق هرمز في عام 2020م بدعم من ثمان دول أوروبية، ومقرها أبوظبي.
ويعني ما سبق أن الدور الفرنسي الداعم للحفاظ على أمن الخليج العربي وتوازن القوى فيه ظل قناعة دائمة وراسخة لدى كافة النخب السياسية في الجمهورية الفرنسية، وهو ما يلتقي مع رؤية مملكة البحرين في هذا الشأن، والتي لديها شراكات أمنية متنوعة مع القوى الكبرى في العالم، وتتمثل في: استضافة الأسطول الخامس الأمريكي، وشراكتها مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضمن مبادرة إسطنبول في عام 2004م، فضلاً عن توقيع اتفاقية (التكامل الأمني والازدهار الشامل) مع الولايات المتحدة في عام 2023م، والتي انضمت إليها المملكة المتحدة في عام 2025م.
وعودٌ على بدء، فإن المجالات الثلاثة للاتفاقية بين مملكة البحرين والجمهورية الفرنسية تكتسب أهميتها مضموناً وتوقيتاً. فعلى صعيد التدريب وتبادل المعلومات الاستراتيجية، لا شك أن زيادة جاهزية القوات المسلحة لمواجهة التهديدات الأمنية المتسارعة وتيرتها ونوعيتها يبقى هدفاً استراتيجياً لأي دولة، وقد اكتسبت القوات المسلحة لمملكة البحرين خبرات متنوعة من خلال إجراء العديد من المناورات المشتركة، سواءً داخل منظومة مجلس التعاون أو مع أطراف إقليمية وشركاء دوليين، مما يجعلها شريكاً إقليمياً موثوقاً لفرنسا، كما أن تبادل المعلومات الاستراتيجية يسهم في فاعلية الإجراءات الاحترازية التي يجب على البلدين اتخاذها للحد من تداعيات أي أزمة طارئة في المنطقة، التي تضم مصالحهما الحيوية في ظل حالة التأثير والتأثر بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي.
كما يكتسب التعاون الصناعي في مجال الدفاع أهمية بالغة. فمملكة البحرين لديها المؤسسة العسكرية لتطوير التصنيع الحربي، التي تأسست بموجب الأمر الملكي السامي رقم 23 لسنة 2022م، وقد لوحظ إشارة المادتين الثانية والثالثة من المواد السبع لإنشاء المؤسسة إلى مسألة توظيف التقنيات الحديثة في مجال التصنيع العسكري، وهي مسألة تهم مملكة البحرين وفرنسا في الوقت ذاته، في ظل تغير مفهوم الأمن وتهديداته نتيجة تطور تلك التقنيات. ويمكن للمملكة الاستفادة من الخطط الفرنسية في هذا الشأن، إذ أعلنت فرنسا خطة شاملة للتصنيع العسكري من خلال قانون البرمجة العسكرية للفترة 2024-2030م، فضلاً عن تجربة فرنسا المهمة في تخصيص جنود رقميين في الجيش الفرنسي منذ عام 2017م، ومهمتهم الحيلولة دون حدوث أي اختراقات للأجهزة العسكرية.
ولا شك أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز التضامن بين البلدين، من خلال شراكة نوعية تتعزز على المستويين الأمني والسياسي. فعلى المستوى الأمني، تبرز قضية مواجهة تهديدات الأمن البحري كأولوية للطرفين، وقد لعبت مملكة البحرين دوراً مهماً – ولا تزال – في مواجهة تلك التحديات، سواءً من خلال منظومة مجلس التعاون أو ضمن مشاركتها في تحالف (حارس الازدهار) في عام 2023م لمواجهة تهديدات الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر وجنوب عدن. بينما تشارك فرنسا في القوة البحرية الأوروبية (أسبيدس)، التي تم إرسالها للبحر الأحمر للغرض ذاته في فبراير 2024م، ما يعني تكامل الخبرات والجهود في مواجهة تلك التهديدات ضمن أطر عملية تعزز من قدرات الجانبين في هذا المجال. كما كانت فرنسا إحدى دول (الترويكا الأوروبية)، إلى جانب كلٍّ من المملكة المتحدة وألمانيا، للتفاوض مع إيران حول ملفها النووي لسنوات عديدة.
ودائماً ما يأتي التعاون العسكري في العلاقات الدولية ترجمةً لرؤية سياسية تعكس توافق مواقف الأطراف، وهو ما تتضمنه العلاقات البحرينية-الفرنسية من تطابق في الرؤى حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية. تلك العلاقات شهدت حرص الجانبين على مأسستها عبر اللجنة العليا البحرينية-الفرنسية المشتركة، والتي عقدت اجتماعها الرابع في يونيو 2025م في العاصمة الفرنسية باريس برئاسة وزيرا خارجية البلدين. كما أن شراكة مملكة البحرين مع فرنسا – العضو الدائم في مجلس الأمن – أمر من شأنه دعم جهود المملكة في تعزيز السلام والاستقرار، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وترسيخ مبادئ الأمم المتحدة، خلال عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن لعامي 2026 و2027م، وهي أهداف مشتركة تسعى إليها الجمهورية الفرنسية في الوقت ذاته.
وربما تتيح هذه الاتفاقية التعاون في مجالات أخرى مستقبلاً، استجابةً لتطورات البيئة الأمنية الإقليمية والسياق الدولي، إلا أن الأمر الثابت هو أن اتفاقيات الشراكة من هذا النوع تنطلق من قناعة مشتركة بضرورة التعاون، من خلال الالتزام المتبادل لتحقيق قيمة مضافة للطرفين، في ظل تحولات إقليمية وعالمية متسارعة وغير مسبوقة، فضلاً عن هدف تحقيق التوازن الإقليمي، وهو المتطلب الأساسي لأمن دول الخليج العربي، ومنها مملكة البحرين.
د. أشرف محمد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية مركز “دراسات”
