الجولة الخليجية لوزير الخارجية الأمريكي: التوقيت والدلالات

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / الجولة الخليجية لوزير الخارجية الأمريكي: التوقيت والدلالات

في ختام جولته الخليجية التي شملت كلاًّ من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت ومملكة البحرين، استقبل صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وخلال اللقاء تم  “التأكيد على أهمية الالتزام بمذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وما تجسّده من نهج حكيم يغلّب لغة الحوار والدبلوماسية سبيلاً لمعالجة قضايا المنطقة والسّلم والأمن الدوليين”. في الإطار ذاته،  عقد روبيو جلسة مع نظرائه المشاركين من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في المنامة بتاريخ 25 يونيو 2026م.

لهذه الجولة أهميتها من حيث التوقيت والمضمون، إذ جاءت بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وبموجبها سوف يتم التفاوض بين الجانبين حول كافة القضايا العالقة خلال ستين يوماً، فضلاً عن مجيء جولة روبيو الخليجية قبيل استئناف المحادثات مع إيران في الجولة الثانية في سويسرا يومي 29 و30 يونيو 2026م. ومن ثم، تُعتبر هذه الزيارة رسالة طمأنة من الولايات المتحدة لشركائها من دول مجلس التعاون حول مسار ومضمون المفاوضات التي لن تبخس المصالح الخليجية.

من ناحية ثانية، ومع أهمية مواجهة كل التهديدات الإيرانية، فإن الأولوية الآن لدى دول مجلس التعاون هي ضمان استمرار فتح مضيق هرمز دون معوّقات، خاصةً مع استمرار إيران في تهديدها بإغلاق المضيق، وربطها بين ضمان أمن الملاحة البحرية وقضايا إقليمية أوسع، فضلاً عن اعتراضها على إعلان سلطنة عمان فتح ممر بحري مؤقت لجميع السفن العابرة عبر المضيق، وذلك بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية.

وكانت هناك تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول بقاء القوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي وضمان تنفيذ بنود مذكرة التفاهم،  ما يُعد مؤشراً مهماً على توجه الولايات المتحدة لإنهاء كافة التهديدات الإيرانية لدول الخليج العربي والمنطقة.

من حيث المضمون، أكد روبيو على خمسة أمور مهمة. الأول: أنه رغم حرص الولايات المتحدة على إنجاح المسار التفاوضي، يجب على أي اتفاق “أن يأخذ مصالح الحلفاء بعين الاعتبار” والثاني: التأكيد على أن مضيق هرمز ممر مائي لا يخضع لملكية أي دولة وأن فكرة أخذ الرسوم على عبوره مرفوضة. والثالث: تجديد التزام الولايات المتحدة بأمن دول الخليج العربي، والتأكيد على أن “الضمانات الأمنية حقيقية وليست وعوداً”،  وأن “تحالفنا قد تعرض للاختبار ونجح خلال التطورات الأخيرة”. والرابع: التأكيد على أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً. والخامس: التأكيد على موافقة إيران على دخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن ذلك يجب أن يحدث قريباً.

 

مع أهمية تصريحات روبيو، التي أعادت التأكيد على أسس ومضامين الشراكة الأمريكية-الخليجية، فقد عبر وزير الخارجية سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني بدوره عن المصالح الخليجية، مؤكداً على أربعة نقاط. أولاً: أمن دول مجلس التعاون كلٌ لا يتجزّأ. ثانياً: ضرورة منع إيران من الحصول على سلاح نووي. ثالثاً: ضمان حرية الملاحة الإقليمية في مرحلة جديدة تؤسَّس على احترام السيادة. رابعاً: وقف الاعتداءات الصاروخية لإيران وإنهاء دعمها للميليشيات في المنطقة.

لا شك أن هذا اللقاء الأمريكي- الخليجي، الذي وصفه روبيو بأنه كان “مثمراً”، يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الخليجية- الأمريكية، وخاصةً في ضوء ثلاثة أمور.  أولاً: أن مذكرة التفاهم، وإن تضمنت تعهدات متبادلة، لا تعني إنهاء كافة القضايا العالقة، والتي يتعيّن على إيران أن تلتزم بها خلال فترة الستين يوماً، ما يعني استمرار  التطورات الإقليمية وإن كانت وفق مسار مختلف. ثانياً: يعكس تعهد روبيو بإطلاع دول مجلس التعاون على نتائج المباحثات مع إيران قناعة الولايات المتحدة بأنه لا أمن إقليمياً دون أخذ المصالح الخليجية بعين الاعتبار، وهو ما انعكس في تصريحه بأن “واشنطن سوف تشرك حلفاءها الخليجيين في المحادثات بشأن كل قرار يتم اتخاذه فيما يتعلق بهذه المفاوضات”. ثالثاً: توجيه رسالة إلى إيران بوجود تطابق في المصالح الأمريكية-الخليجية بضرورة إنهاء كافة التهديدات الإقليمية وعدم اختزال المسألة في البُعد النووي أو الصاروخي، إذ لا بُدّ من مواجهة كل تهديدات أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز، ووقف دعم جميع الميليشيات، مما يعيد التأكيد على واقع الارتباط الوثيق بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي.

اكتسبت هذه الزيارة أهميتها أيضاً في ظل محاولة إيران انتهاج أسلوب المراوغة بشأن التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم، إذ تتحدث عن فرض “تكلفة خدمات” على عبور مضيق هرمز بدلاً من الرسوم، بالإضافة إلى الحديث عن “بناء أمن إقليمي بين دول المنطقة”؛ وجميعها محاولات إيرانية للالتفاف على التعهدات، إلا أن تطابق التصريحات الخليجية مع نظيرتها الأمريكية، وإصرار الجانبين على إنهاء كافة التهديدات الإيرانية، يؤكدان بلا أدنى شك على أن السبيل الوحيد أمام إيران هو التنفيذ الكامل وغير المشروط لكافة تعهداتها بموجب مذكرة التفاهم، إذ ستظل الشراكة الخليجية-الأمريكية حائط صدٍّ أمام أي محاولات إيرانية للتنصّل من التزاماتها.   

د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية

آخر تحديث : 29 يونيو 2026