الرؤية الملكية السامية لتحقيق المزيد من التكامل الخليجي
ترأس سعادة الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، ورئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، اجتماع المجلس في دورته 167 المنعقد في مملكة البحرين بتاريخ 10 يونيو 2026م. ومع أهمية مضامين كلمة الدكتور الزياني – التي تضمنت أهمية وتوقيت الاجتماع، خاصةً في ظل ما أظهرته دول المجلس من تضامن وقدرات أمنية ودفاعية ودبلوماسية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية – فقد كان لافتاً الإعلان عن الورقة التي تقدمت بها مملكة البحرين، وتضمنت رؤية صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، “لتحقيق المزيد من التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في المجالات كافة”.
وواقع الأمر أن التطورات الراهنة لم تكن مُنشِئةً لاهتمام مملكة البحرين بدعم وتطوير منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولكنها كانت كاشفةً لأبعاد ذلك الاهتمام ومنطلقاته ونتائجه. فدستورياً، تضمن دستور مملكة البحرين بنسخته المعدلة والصادرة في 14 فبراير 2002م، وتعديلاته اللاحقة في الباب الأول منه، بعنوان: “الدولة”، المادة (1) أن مملكة البحرين عربية إسلامية، وهي جزء من الأمة العربية. فضلاً عن احتواء ميثاق العمل الوطني على فصل كامل، وهو الفصل السادس عن العلاقات الخليجية، ومما جاء فيه: “إن البحرين سوف تعمل دوماً وبكل ما أوتيت من جهد على دعم مجلس التعاون ومساندة القضايا العادلة للأشقاء الأعضاء فيه”.
وعلى صعيد الواقع، أكدت كافة التحديات التي واجهت دول المجلس – بدءاً بالحرب العراقية- الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ومروراً بالغزو العراقي لدولة الكويت في عام 1990م، وانتهاءً بالتطورات الإقليمية الراهنة – أن أمن وسلامة واستقرار دول الخليج العربي الست كلٌّ لا يتجزّأ. وحرصت مملكة البحرين خلال عضويتها في مجلس التعاون على دعم وتطوير المجلس ليظل المظلة الجماعية لدوله الست لتحقيق المزيد من التنسيق والتكامل، وهو الهدف الأسمى لتأسيس المجلس، كما نص على ذلك الميثاق المؤسس للمجلس منذ 25 مايو 1981م في ديباجته والمادة الرابعة منه؛ ذلك التنسيق الذي اتخذ مسارات اقتصادية وسياسية وأمنية، لعل أبرزها على سبيل المثال لا الحصر أن المنامة قد شهدت توقيع اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون في 21 ديسمبر 2000م، والتي تضمنت إثنتي عشرة مادة، أبرزها المادة الثانية بعنوان: “العدوان والتهديد”، وتنص على أنه: “تعتبر الدول الأعضاء أن أي اعتداء على أيٍّ منها هو اعتداء عليها كلها، وأي خطر يتهدد إحداها إنما يتهددها جميعاً”، وهي تضاهي المادة الثانية من الميثاق المؤسس لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، كما أن مملكة البحرين هي مقر مركز العمليات البحري الموحد لدول الخليج العربي الذي تم افتتاحه في عام 2016م.
وعلى صعيد القوة الناعمة، يُعد مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة “دراسات” أول مركز دراسات خليجي يوقع مذكرة تفاهم مع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في 7 نوفمبر 2021م.
ومع التسليم بأن لدى مملكة البحرين قناعة راسخة بأهمية دعم مجلس التعاون، لكونه الدائرة الجغرافية الأولى لانتمائها ولها مصلحة استراتيجية في دعمه وتطويره، فإن تقديم جلالة الملك المعظم للرؤية السامية بشأن المزيد من التنسيق والتكامل الخليجي إنما يعكس ثلاثة مضامين استراتيجية.
المضمون الأول: لا بديل عن التضامن والتكتّل في ظل تحولات إقليمية وعالمية متسارعة، بقدر ما تتيح فرصاً فإنها تفرض تحديات تحتاج إلى تضافر الجهود لمواجهتها، بما يحقق مفهوم الأمن الجماعي لدول الخليج العربي الست من خلال مجلس التعاون.
المضمون الثاني: وجود رؤية خليجية للأمن الإقليمي أطلقها المجلس في مارس 2024م، ومن ثم فإن وجود رؤى وطنية أمر مهم للتكامل مع تلك الرؤية الجماعية، بما يحقق التلاحم بين الأمن الوطني والأمن الجماعي لدول الخليج العربي.
المضمون الثالث: تكمن أهمية الرؤى والمبادرات في مضامينها وتوقيتها. والآن، تشهد منطقة الخليج العربي والأمن الإقليمي تحولات غير مسبوقة تتطلب بلورة رؤى تعكس مصالح دولها على المديَيْن القريب والبعيد، وهو ما تحققه مثل تلك الرؤية الملكية السامية.
أخيراً وليس آخراً، وانطلاقاً من خلق التحدي للاستجابة، فإن الرؤية الملكية السامية تكتسب أهميتها في ظل واقع إقليمي جديد يتطلب بقاء مجلس التعاون كمظلة أمنية ذاتية لدوله الست، ويستدعي أيضاً تحقيق توازن القوى الإقليمي، وهو الأمر الذي نجح فيه المجلس عبر عقودٍ خلت، كما أكدت ذلك الأحداث التي شهدتها المنطقة، وصولاً إلى الوقت الراهن، ليؤكد المجلس مجدداً أن عزيمة وإصرار أصحاب الجلالة والسمو قادته ورؤاهم الثاقبة كانت – وستظل – هي أسس عمل هذا المجلس الذي يُعد تجربة فريدة للتكامل الإقليمي.
د. أشرف محمد عبدالحميد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية