المرونة الاقتصادية لدول الخليج العربي

الرئيسية / الدراسات الاقتصادية / المرونة الاقتصادية لدول الخليج العربي

تُختبر الحرب الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران قدرة اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على الصمود، لكن هذه الأزمة ليست بأي حال من الأحوال الأولى التي تواجهها الدول الست. ويستند نجاحها في تجاوز الحروب والكوارث السابقة إلى أربعة ركائز مترابطة: احتياطيات مالية، وقدرات حكومية قوية، وهياكل اقتصادية مرنة، وبيئة أمنية خارجية مواتية.

تأسس مجلس التعاون الخليجي (GCC) في عام 1981، جزئياً كرد فعل على التهديدات التي شكلتها الحرب الإيرانية-العراقية والثورة الإيرانية. كان لذلك الصراع عواقب اقتصادية خطيرة على الكتلة، حيث حُرمت ناقلات النفط من الحق في الإبحار بحرية عبر مياه المنطقة، وتزامن ذلك مع انكماش أسعار السلع العالمية. شكل غزو الكويت عام 1990 تهديداً مباشراً لسيادة دولة عضو، في حين طرح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 مجموعة مختلفة من المشاكل أمام مجلس التعاون الخليجي، حيث أدى إلى زيادة حادة في التطرف. ومن بين الأزمات الإضافية التي شهدتها المنطقة منذ مطلع الألفية الجديدة الأزمة المالية العالمية لعام 2008، والفوضى السياسية لعام 2011، وانهيار أسعار النفط في الفترة 2014-2016، وجائحة كوفيد-19، والصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الذي بدأ ببطء لكنه تطور الآن إلى حرب إقليمية شاملة.

والجدير بالذكر أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي قد نجحت في تجاوز هذه الأزمات، وكانت تتمتع بصحة جيدة عشية الأزمة الحالية. ويعزى هذا النجاح المستمر إلى مجموعة معقدة من العوامل، لكن من الجدير تسليط الضوء على بعض أهم العوامل المساهمة في ذلك.

وأبرزها هو الإدارة الحصيفة للاقتصاد الكلي. فقد حافظت دول مجلس التعاون الخليجي تاريخياً على احتياطيات مالية كبيرة في شكل صناديق ثروة سيادية واحتياطيات من العملات الأجنبية، إلى جانب مستويات منخفضة من الدين العام. ويلعب القرار المنضبط بتطبيق أنظمة سعر صرف ثابت مقابل الدولار الأمريكي دوراً تمكينياً حاسماً، حيث يدعم ذلك ثقة المستثمرين وكذلك السيولة. في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، حرصت السلطات النقدية على أن تكون الأنظمة المصرفية في الدول الستة مملوكة برأسمال كافٍ وتحافظ على ميزانية عمومية متحفظة. ونتيجة لذلك، عندما تنشأ الأزمات حتماً، تكون دول مجلس التعاون الخليجي في وضع جيد لاستيعاب الصدمة والتعافي بسرعة عند الانتقال إلى مرحلة ما بعد الأزمة، كما حدث عندما انخفضت أسعار النفط بشكل حاد خلال الفترة 2014-2016 دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار مالي.

إلى جانب السياسة الاقتصادية الكلية، لعبت القدرات الحكومية العالية، مقترنةً بهياكل الحوكمة الفعالة، دوراً مهماً في مرونة اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي. ففي أوقات الأزمات، يُعد اتخاذ القرارات بسرعة أمراً ضرورياً، وقد تم تكييف الأنظمة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق ذلك من خلال وجود قطاع عام مركزي ومنسق. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، عندما احتلت عدة دول خليجية – ولا سيما مملكة البحرين – المراتب العليا في التصنيفات العالمية في مجال توزيع اللقاحات، مما أرسى الأساس للتكيف السريع مع الأزمة والتعافي السريع. وتلعب المستويات العالية من التماسك الاجتماعي داخل دول مجلس التعاون دورًا محوريًا، حيث تولد الثقة في قرارات الحكومة – وهو رصيد قيم عند مواجهة كارثة غير متوقعة.

كما تسهم الاستثمارات بعيدة النظر في البنية التحتية في تعزيز قدرة اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على التكيف. وتُعد الموانئ والمطارات في المنطقة من بين الأفضل في العالم، وتتمتع بقدرة استيعابية تفوق الاحتياجات المحلية بكثير. وتتجلى قيمة هذه الفائض خلال الأزمات عندما تتعطل سلاسل إمداد محددة، مما يؤدي إلى ضغوط غير متوقعة على سلاسل أخرى. على سبيل المثال، خلال الجائحة، وبينما انهار قطاع الطيران المدني في مجال نقل الركاب، شهد قطاع الشحن ارتفاعاً حاداً مع ازدهار التجارة الإلكترونية وارتفاع الطلب على الإمدادات الطبية الحيوية. سمحت المرونة الوظيفية والقدرة العالية لمطارات دول مجلس التعاون الخليجي بانتقال أكثر سلاسة بكثير مما شهدته البلدان ذات البنية التحتية الأقل جودة، كما يتضح من عمليات مطار البحرين الدولي الحائز على جوائز. وهذا يعني أيضًا أنه عندما استؤنفت رحلات الركاب، كانت شركات الطيران مثل طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية في وضع جيد لزيادة حصتها في السوق العالمية بينما كان المنافسون من خارج المنطقة يترددون.

في حين تتسم الأزمة الحالية بتعدد التهديدات الأمنية الإقليمية، فقد أظهرت دول الخليج العربي، عبر التاريخ، مرونة اقتصادية بفضل سياساتها الخارجية المصممة لتعزيز السلام وتأمينه. فقد ابتعدت هذه الدول عن النزعة العسكرية العدوانية التي أبدتها العديد من دول المنطقة، كما نددت بالمواقف المتطرفة خلال النزاعات الإقليمية، مفضلةً لعب دور الميسر والوسيط الإقليمي، حيث برزت عُمان بشكل خاص في هذا الصدد. وحتى في الأزمات الخارجية، تساهم جهود القوة الناعمة في تخفيف حدة التوتر، مثل دعم البحرين للتسامح والتعايش السلمي، والمساعدات الإنسانية الخارجية الضخمة التي تقدمها الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ويكمن في صميم هذه العوامل بعد نظر أساسي ناتج عن الأنظمة السياسية الملكية لدول الخليج. وقد عانت الدول الجمهورية في المنطقة بشكل كبير بسبب عدم اليقين بشأن انتقالات القيادة، مما أدى إلى قرارات متسرعة مثل مصادرة ممتلكات المستثمرين الأجانب، الأمر الذي يقوض التنمية الاقتصادية. وفي المقابل، أعطت دول الخليج دائمًا الأولوية لحرمة حقوق الملكية، مما عزز مناخًا تجاريًا جذابًا وآمنًا. وهذا يفسر أيضًا سبب مقاومة الدول الست لإغراء تطبيق سياسة نقدية قصيرة النظر قائمة على سك النقود الضار، على عكس العديد من دول الشرق الأوسط الأخرى.

يُظهر التاريخ أن الأزمات غالبًا ما تكون بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي حافزًا لمواصلة تحسين جهاز الدولة. وفي حين قد تتعثر الدول المجاورة تحت وطأة السياسات التفاعلية والتقلبات السياسية، يظل التزام الملكيات الخليجية بالاستقرار الاقتصادي أكبر ميزة تنافسية لها. وفي منطقة تتسم حاليًا بالتقلب، تضمن هذه «مجموعة العوامل» بقاء دول مجلس التعاون الخليجي استثناءً للقاعدة: منطقة تتمتع باستقرار مُدار وسط مشهد من عدم اليقين.

ملاحظة: تمت ترجمة هذه المقالة تلقائيًا، والمقالة الكاملة متاحة باللغة الإنجليزية.

الدكتور عمر أحمد العبيدلي، مدير إدارة الدراسات والبحوث بمركز “دراسات”

 

آخر تحديث : 17 مارس 2026