المسألة اللبنانية: قراءة في تحولات الدولة ومسار التعافي
في الثالث من مارس 2025م، حطت رحال طائرة الرئيس اللبناني جوزيف عون في العاصمة السعودية الرياض، في أول زيارة خارجية له منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية في يناير من العام ذاته. حينها، حملت تلك الزيارة دلالات واضحة على توجه لبناني جديد، يعكس وعيًا بأهمية ترسيخ ارتباط لبنان بعمقه العربي، باعتباره ركيزة أساسية لاستقراره السياسي وتعافيه الاقتصادي.
يأتي هذا التحول بعد عقود عاش فيها لبنان واقعًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، فقد واكب الإعلان عن اتفاق الطائف تغييرات متسارعة في البيئة الأمنية للشرق الأوسط، إذ تزامنت تلك الحقبة مع انتهاء الانتفاضة الفلسطينية الأولى وحرب الخليج الثانية، وتصاعد ملحوظ للدور الإيراني في المنطقة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة اللبنانية تحاول إعادة بناء مؤسساتها بعد الحرب الأهلية، كانت إيران تعمل على تعزيز نفوذها داخل لبنان عبر ترسيخ مكانة حزب الله كقوة عسكرية وسياسية مستقلة عن مؤسسات الدولة، مستفيدة من الوجود السوري في لبنان ومن الممر الجغرافي والسياسي الذي وفرته دمشق آنذاك لدعم الحزب وتوسيع قدراته.
ومع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000م، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الجدل السياسي تمحورت حول أمرين أساسيين يتعلقان بمستقبل سلاح حزب الله، وطبيعة الوجود السوري ودوره في الحياة السياسية اللبنانية. تصاعد هذا الجدل تدريجيًا ليأخذ بعدًا دوليًا مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 في عام 2004م، الذي دعا إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان وحصر السلاح بيد الدولة، إذ شكّل القرار مقدمة لإعادة رسم للمشهد اللبناني بأكمله بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005م، وهو الحدث الذي أعاد انقسام المجتمع اللبناني على أساس آيديولوجي هذه المرة – وليس طائفياً – بين قوى 8 و 14 آذار، ولكلٍّ منهما مشروعه الخاص لمستقبل لبنان وعلاقاته بمحيطه. ومع اندلاع حرب 2006م بين حزب الله وإسرائيل، دخل لبنان مرحلة جديدة من التعقيد، ظل خلالها يدور في حلقة متكررة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، وواصل حزب الله تعزيز حضوره العسكري متمسكًا بسلاحه رغم المطالبات الداخلية والخارجية المتزايدة بتطبيق مضامين قرار مجلس الأمن رقم 1701 وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
ووصولًا إلى الأحداث التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023م، بدا أن الظروف السياسية التي أحاطت بالحزب لسنوات طويلة قد بدأت تشهد تغييرات بارزة. فمع السقوط المتتالي لقيادات الحزب، ونظام الأسد في سوريا، تصاعدت الأصوات اللبنانية الداعية إلى إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، والرافضة لاستمرار ربط المصالح الوطنية باعتبارات إقليمية. حينها جاء انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة، ليعكسا معًا توجّهًا سياسيًا جديدًا يقوم على تغليب المصلحة الوطنية، وتجسير الهُوّة مع المحيط العربي، وهو ما بدا جليًّا في الزيارات التي أعقبت ذلك، ومضامين الخطابات الصادرة عن الرئاسة اللبنانية منذ ذلك الحين.
وبينما بدأت تلوح مؤشرات ملحوظة حول إمكانية استرداد نزراً يسيراً من الاستقرار السياسي، وبدء مسار تدريجي نحو التعافي. وجد لبنان نفسه مجددًا في قلب مواجهة عسكرية واسعة حين دفع حزب الله لبنان إلى الدخول عنوة في مواجهة عسكرية انعكست بصورة مباشرة على أوضاعه الإنسانية والاقتصادية، حيث تصاعدت التوترات، وصولًا لانعقاد جلسة مجلس الأمن التي دعت إليها فرنسا لمناقشة الأوضاع في جنوب لبنان، في ظل الهدنة الهشة التي أُعلِن عنها في أبريل 2026م، إذ أثبت ذلك ضرورة تنفيذ القرارات ذات الصلة وفي مقدمتها القرار 1701.
وبالنظر إلى ما فرضته التوترات الراهنة من تأجيل الانتخابات التشريعية لمدة عامين بعد أن كان مقررًا إجراؤها في مايو 2026م، فإن لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تحدد ملامح مستقبله لسنوات طويلة مقبلة، إذ تستدعي المرحلة الراهنة توافقًا سياسيًا لبنانيًا حول أولويات الدولة ومصالحها العُليا، على أن يكون التعاون مع المحيط العربي أحد المرتكزات الأساسية لأي مسار جاد نحو الاستقرار والتعافي، بما يتيح للبنان استعادة دوره التقليدي كحلقة وصل بين العالم العربي وشرق المتوسط، ويعزز فرصه في تجاوز أزماته السياسية والاقتصادية المتراكمة.
الباحث عبدالرحمن إبراهيم الفزيع ،محلل أول في برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية بمركز “دراسات”