بمناسبة انطلاق الدورة الأولى من جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح : التعايش والتسامح نهجان راسخان للسياسة الخارجية البحرينية
في 18 أغسطس 2026، أعلن معالي الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات، رئيس مجلس أمناء مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»، انطلاق الدورة الأولى من جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، وهي الجائزة التي أطلقتها مملكة البحرين كمبادرة دولية، تنفيذًا للأمر الملكي رقم (32) للعام 2024 بإنشاء الجائزة.
وبعيدًا عن الخوض في تجربة مملكة البحرين في مجالي التعايش والتسامح، والتي تتسم بالثراء والخصوصية، فإن الحديث عن تضمين هاتين القيمتين في مجال السياسة الخارجية لمملكة البحرين يكتسب أهميته من كونهما تندرجان ضمن مفهوم «القوة الناعمة» الذي وظفته الدول الكبرى والصغرى على حدٍّ سواء في سياستها الخارجية.
وإذا ما نظرنا إلى الركائز الثلاث للسياسة الخارجية البحرينية، نجد أن اثنتين منها نصّتا بوضوح على نشر ثقافة السلام وتحقيق التعايش بين الشعوب. كما أن مبادئ تلك السياسة التسعة نصّ اثنان منها على تعزيز التسامح والتعايش بين الشعوب، بما يعكس قناعة مملكة البحرين بالأهمية المحورية لهاتين القيمتين، فكرًا وممارسة.
لقد حرصت مملكة البحرين على ترجمة تلك المبادئ في سياستها الخارجية، ولا يتسع المجال لذكر جميع تلك الجهود، وإنما يمكن الإشارة، على سبيل المثال لا الحصر، إلى الآتي:
أولًا: مقال صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، في صحيفة «واشنطن تايمز» في عام 2017، حول التسامح والتعايش، والذيشكَّل رؤية ملكية سامية في هذا الإطار، وتزامن ذلك مع إطلاق «إعلان البحرين» الصادر في 13 سبتمبر 2017، والذي استلهمه مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح في مبادئه، وفقًا للأمر الملكي رقم (15) لسنة 2018 بإنشاء المركز.
ثانيًا: خلال الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بتاريخ 27 سبتمبر 2021، ألقى سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية، بيان مملكة البحرين، وتناول فيه عددًا من القضايا الدولية والإقليمية، من بينها السلام والتسامح والتعايش السلمي ومحاربة التطرف والكراهية. أما الدعوة الصريحة إلى اعتماد اتفاقية دولية لتجريم خطاب الكراهية الدينية والطائفية والعنصرية، فقد وردت في بيان سعادته أمام الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة بتاريخ 22 سبتمبر 2023، بما يعكس توجه المملكة نحو تعزيز التعايش ونشر ثقافة السلام.
ثالثًا: استضافة المملكة العديد من المؤتمرات التي استهدفت تحفيز الحوار حول التسامح والتعايش، من أهمها «ملتقى البحرين للحوار: الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني»، الذي شارك فيه قداسة بابا الفاتيكان الراحل فرانسيس، وفضيلة شيخ الأزهر الشريف الأكبر أ.د. أحمد الطيب، وانعقد في مملكة البحرين خلال الفترة 3-6 نوفمبر 2022، مشكّلًا آنذاك حدثًا نوعيًا متعدد الدلالات، رخّص مكانة مملكة البحرين كنموذج يُحتذى به في التسامح والتعايش بين الأديان.
ولعل المتتبع لمضامين السياسة الخارجية البحرينية في هذا المجال يجد أنها تسير وفق نهج جلالة الملك المعظم؛ فنجد أن تعزيز ثقافة السلام والتسامح والتعايش والحوار بين الأديان والثقافات يُعد إحدى الأولويات الأربع لعمل مملكة البحرين خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2026-2027. فضلاً عن ذلك، أعلنت المملكة مشاركتها في (مجلس السلام Board of Peace)، حيث شارك سمو الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة، وزير شؤون ديوان رئيس مجلس الوزراء، نيابةً عن جلالة الملك المعظم، في توقيع ميثاق المجلس خلال منتدى دافوس بتاريخ 22 يناير 2026، في سياق دعم السلام والتعاون والاستقرار والتنمية وتنفيذ خطة السلام الخاصة بقطاع غزة.
أثمرت تلك الجهود وغيرها ما يمكن وصفه بـ«عولمة» الجهود البحرينية في هذا المجال، من خلال اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 يناير من كل عام يومًا عالميًا للتعايش السلمي، بناءً على مبادرة مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح. كما أطلق المركز دبلوم الدراسات العليا المشترك في التعايش، بالشراكة مع جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة، وهي تجربة فريدة من نوعها تستهدف إعداد «سفراء للمعرفة» حول العالم في هذا المجال.
ومع أهمية الأبعاد العالمية لتجربة مملكة البحرين في مجالي التسامح والتعايش، فإن انعكاساتها الداخلية قد شهد بها القاصي والداني؛ فالمملكة تُصنّف سنويًا ضمن أكثر دول العالم جذبًا للعيش والإقامة، فضلاً عن تصنيفها في مراكز متقدمة في التقارير الدولية المتعلقة بالأوضاع الإيجابية لظروف العمالة الوافدة فيها.
وعودًا على بدء، يأتي الإعلان عن الجائزة وتشكيل لجنة تحكيمها ضمن استراتيجية مملكة البحرين ونهجها في تعزيز قيمتي التسامح والتعايش، والحرص على ترسيخهما كثقافة ومطلب أساسي لنزع فتيل الصراعات المحتدمة على المستويين الإقليمي والعالمي، انطلاقًا من قناعة راسخة مفادها أن التنوع سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون مدعاةً للصراعات التي تسبّب انتشار الكراهية والتعصب وإهدار موارد العديد من الدول، بل ينبغي أن يكون مصدرًا لقوتها ورخائها.
د. أشرف محمد عبد الحميد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية