خمسة وعشرون عامًا من مأسسة العمل من أجل المرأة البحرينية

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / خمسة وعشرون عامًا من مأسسة العمل من أجل المرأة البحرينية

يقف المجلس الأعلى للمرأة اليوم على أعتاب محطة تاريخية استثنائية مع احتفائه باليوبيل الفضي لتأسيسه. فمرور ربع قرن على انطلاق هذه المؤسسة الوطنية ليس مجرد مناسبة لتذكر المكتسبات أو الاحتفاء بالإنجازات فحسب، بل هو فرصة لتقييم تجربة وطنية أثبتت أن التمكين الحقيقي للمرأة لا يتحقق بالمصادفة أو من خلال مبادرات فردية أو مؤقتة، وإنما يستند إلى رؤية واضحة ومأسسة راسخة تضمن استدامة الجهود وتراكم الإنجازات. تكللت هذه الرؤية بصدور الإرادة الملكية السامية من لدن صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بتأسيس المجلس الأعلى برئاسة قرينة جلالته صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، حفظها الله. ليُعنى منذ عام 2001 وحتى الآن بدور أساسي في وضع الخطط الوطنية للنهوض بالمرأة وإدماج احتياجاتها في مسارات التنمية.

ولعل “مأسسة العمل” من أجل المرأة تشكّل أحد أبرز عناصر نجاح التجربة البحرينية؛ إذ لم يُنظر إلى تمكين المرأة باعتباره هدفًا منفصلًا، وإنما باعتباره مسارًا متكاملًا يتطلب سياسات وآليات تنفيذ ومتابعة وقياسًا مستمرًا. ولم يكن ما تحقق خلال هذه المسيرة وليد جهود متفرقة، بل جاء ثمرة تخطيط استراتيجي متدرج، تجسد بصورة واضحة في الخطة الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية (2025-2026)، التي تعد ترجمة لمفردات الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية التي اعتمدها جلالة الملك المعظم لعام 2005، حيث شكلت إطارًا جامعًا للعمل على تعزيز تقدم المرأة ومشاركتها في مختلف المجالات. ارتكز هذا النهج على مجموعة من الأبعاد المتكاملة. أولًا: التأطير التشريعي والسياساتي من خلال تطوير البيئة القانونية والسياسات الداعمة لتعزيز مشاركة المرأة في مختلف القطاعات. ثانيًا: مأسسة تكافؤ الفرص عبر إنشاء وتفعيل آلياته في المؤسسات الحكومية والخاصة، وجعل احتياجات المرأة وإدماجها في العمل المؤسسي جزءًا من عملية التخطيط وليس مجرد خيار تقديري. ثالثًا: المتابعة والقياس استنادًا إلى المؤشرات والبيانات والدراسات التحليلية، لرصد الفجوات وتقييم التقدم وتوجيه السياسات بصورة أكثر فاعلية.

تتجلى نتائج هذه الجهود في الحضور النوعي للمرأة البحرينية في مختلف مستويات العمل وصنع القرار. فوفقًا لأحدث إحصاءات المجلس الأعلى للمرأة، شكلت المرأة البحرينية 60% من إجمالي البحرينيين العاملين في القطاع الحكومي، وشكلت ما نسبته 50% من الوظائف التنفيذية، إلى جانب 36% من العاملين في القطاع الخاص. وعلى صعيد السلطة التشريعية، بلغت نسبة التمثيل النسائي 25% في مجلس الشورى و20% في مجلس النواب. لا تعكس هذه المؤشرات مجرد ارتفاع في معدلات المشاركة، بل تشير إلى الانتقال من إتاحة الفرص إلى امتلاك أدوات التأثير والقيادة.

لقد أسهم هذا النهج في نقل قضية المرأة من إطار المطالبة بالتمكين إلى إطار إدارة التمكين باعتباره سياسة وطنية مستدامة، لتتحول مسيرتها من التمكين إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى التقدم، وصولًا إلى الريادة في مختلف المجالات. كما تكشف التجربة البحرينية كذلك أن فاعلية المأسسة لا تكمن فقط في استمرارية البرامج والمبادرات، وإنما في قدرتها على تحويل قضية المرأة إلى جزء من العمل الوطني العام، تتشارك في تحقيق أهدافها المؤسسات المختلفة وتتقاطع مع أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

في ختام ربع قرن من العطاء، يتجلى الدرس الأبرز في مسيرة المجلس الأعلى للمرأة في أن الرؤية الاستراتيجية – حين تقترن بالتخطيط الممنهج والتنفيذ المؤسسي والمتابعة المستمرة – تستطيع تحويل أهداف التمكين إلى مكتسبات وطنية راسخة. ولعل المرحلة المقبلة تفتح المجال أمام الانتقال من مأسسة التمكين إلى تعزيز مأسسة الريادة، بما يوسع حضور المرأة البحرينية في مواقع القيادة وصنع القرار، ويعظم من إسهامها في مسيرة التنمية الوطنية. وهكذا فإن الاحتفاء باليوبيل الفضي ليس احتفاءً بما تحقق فحسب، بل هو أيضًا تأكيد على أن بناء المؤسسات القادرة على الاستمرار والتطوير كان وما زال أحد أهم مفاتيح نجاح تجربة المرأة البحرينية، وأن الاستثمار في المرأة هو في جوهره استثمار في الأسرة والمجتمع والدولة ومستقبل التنمية الوطنية.

مي خالد السيوف، مساعد باحث في برنامج الدراسات الإقتصادية

آخر تحديث : 27 أغسطس 2026