سُبُل مواجهة الميليشيات المسلحة في دول الجوار

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / سُبُل مواجهة الميليشيات المسلحة في دول الجوار

تُعد الميليشيات المسلحة – وكلاء إيران في دول الجوار الإقليمي– إحدى أبرز القضايا التي أُثيرت خلال حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة إذ كان وقف دعمها أحد أبرز المطالب الأمريكية الأربعة من إيران. ودون الخوض في الخلفيات التاريخية لنشأة تلك الميليشيات وتطورها وأنشطتها، فإن ما يجمعها أربعة أمور. الأول: تمركزها في مناطق جغرافية داخل تلك الدول. الثاني: امتلاكها لمصادر تمويل من عمليات التهريب وغسل الأموال، من بين سُبُل عديدة تنتهجها إيران لتمويلها. الثالث: قيام مبادئها السياسية على أبعاد آيديولوجية عابرة للحدود، مما يهدد الوحدة الوطنية في تلك الدول. الرابع: وجود صلات وثيقة بين تلك الميليشيات بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي.

ولعل ما يثير الانتباه أن العديد من الدراسات الغربية، التي تناولت تهديدات الأمن الإقليمي لدول الخليج العربي، أشارت إلى أن تلك الميليشيات تُعد من الفواعل الإقليمية التي يتجاوز تأثيرها النطاق الإقليمي ليطال سياسات الدول الكبرى والمصالح الدولية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2023م، ضمن ما أسمته جماعة الحوثي «دعماً لغزة»، وقد كان ذلك سببًا في إعلان الولايات المتحدة، في ديسمبر من العام ذاته، تأسيس تحالف بحري متعدد الجنسيات باسم «حارس الازدهار»، بهدف حماية الملاحة البحرية في تلك المنطقة من هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويعني ما سبق أن تلك الميليشيات تعد تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي على حدٍّ سواء؛ بل ازدادت مخاطرها مع تنامي قدرتها على توظيف التكنولوجيا العسكرية في استهداف المنشآت الحيوية في دول الخليج العربي، وهو ما عكسته حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة، حيث انطلقت مئات المسيّرات من العراق نحو أراضي دول مجلس التعاون. ويثير ذلك تساؤلات حول سُبُل مواجهة تلك الميليشيات؛ إذ بافتراض توقيع اتفاقية تتضمن تعهدات إيرانية بقطع التمويل عن تلك الميليشيات، فما هي ضمانات التنفيذ؟ صحيح أن التحالفات العسكرية كانت – وما زالت – آلية مهمة لدرء مخاطر تلك الميليشيات، خاصةً مع تكرار تهديدها لأمن وسلامة الممرات المائية الدولية التي تمثل شرايين التجارة الدولية؛ إلا أن الوضع يستوجب التفكير على ثلاثة أصعدة: الوطني والإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الوطني، لا شك أن دعم الحكومات المركزية في تلك الدول يُعد الخطوة الأولى للحد من نفوذ تلك الميليشيات، ومن ذلك المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، والتي تُعد خطوة مهمة في هذا الاتجاه. بالإضافة إلى الحكومة الجديدة في العراق، وما قد يسفر عنه التفاوض معها – إذا أبدت الإرادة والمقدرة – من الحد من عمل تلك الميليشيات. وعلى الصعيد الإقليمي، يشكّل الدور الخليجي في مناطق الجوار آلية بالغة الأهمية من خلال دعم تلك الدول، لأنه بقدر التواجد الخليجي سيكون الانحسار الإيراني. فما تحتاجه تلك الدول هو دعم إعادة البناء السياسي والاقتصادي والأمني. وعلى الصعيد الدولي، ومع أهمية التحالفات العسكرية سالفة الذكر لردع أنشطة تلك الميليشيات، تبقى الحاجة إلى مبادرات دولية تعزّزها قرارات أممية، تمثل ضغوطاً على تلك الميليشيات لحل الصراعات في دول الجوار؛ بل يبقى تحقيق إجماع بين الدول الكبرى والمنظمات الدولية على تصنيف تلك الميليشيات كجماعات إرهابية مطلباً مهماً لما يترتب عليه من تجفيف مواردها المالية والحد من أنشطتها.

لا شك أن أحداث غزة في عام 2023م والمواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران في عام 2025م ثم حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة في عام 2026م قد عكست جميعها بشكل غير مسبوق مخاطر تلك الميليشيات، خاصةً مع امتلاكها لصواريخ ومسيّرات استهدفت بواسطتها المنشآت الحيوية لدول الخليج العربي. وربما لا ينحسر دور تلك الميليشيات تماماً في المستقبل لأنها أداة فعالة ومجانية لإيران في صراعها الإقليمي والعالمي. لذا تبرز تساؤلات حول سُبُل الرد على هجمات تلك الميليشيات. ومنها شنّ هجمات عسكرية من خلال التحالفات الدولية ضد مواقع تلك الميليشيات يبقى آلية مهمة، خاصةً مع قدرتها على تهديد الملاحة البحرية وكذلك المنشآت الحيوية في دول مجلس التعاون.

يرتبط الحديث عن تأثير الميليشيات المسلحة في دول الجوار الإقليمي بواقع حكومات تلك الدول من ناحية، ومنظومة الأمن الإقليمي من ناحية ثانية، إذ يتعيّن بناء المسارين بشكلٍ متوازٍ ليؤديا في النهاية إلى استقرار الأمن الإقليمي .

د. أشرف محمد كشك – مدير برنامج الدراسات الدولية والاستراتيجية، مركز “دراسات”

آخر تحديث : 9 يونيو 2026