صراعات الحدود والمنافذ البحرية وتأثيرها على الأمن الإقليمي

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / صراعات الحدود والمنافذ البحرية وتأثيرها على الأمن الإقليمي

 في الوقت الذي كانت فيه – ولا تزال – البحار تمثل مصدراً مهماً للدخل القومي للدول، سواءً بما تحتويه  من ثروات أو بما تتضمنه من ممرات مهمة للنقل البحري، بالإضافة إلى إمكانية إقامة موانئ ومنافذ بحرية على ضفافها، فإنها في الوقت ذاته تعد مجالاً للصراعات والنزاعات التي بلغت حد الحروب أحياناً، ومن ذلك الأزمة الأخيرة بين جمهورية العراق ودولة الكويت، بسبب إيداع العراق لخرائط وإحداثيات جديدة لحدودها البحرية مع الكويت لدى الأمم المتحدة، وهو ما احتجت عليه الكويت بسبب تضمنها أجزاءً من مياهها الإقليمية ومساساً بسيادتها، وهو ما أيّدته العديد من دول المنطقة، إذ لم تكن هذه الأزمة هي الأولى ولا الأخيرة للنزاعات الحدودية من هذا النوع، بل إن جذور تلك الأزمة ذاتها كانت أحد تفسيرات الغزو العراقي لدولة الكويت في عام 1990م، بحجّة أنه كان يبحث عن منفذ بحري أكبر على الخليج العربي، ضمن أسباب أخرى لذلك الغزو.

إقليمياً، سعت إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر من خلال أرض الصومال، إذ أضحت إثيوبيا دولة حبيسة منذ عام 1993م بعد حصول إريتريا على استقلالها، ومن ثم لجأت إثيوبيا للاعتماد على ميناء جيبوتي في غالبية تجارتها مع العالم الخارجي، إلا أن المسعى الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر يواجه بمعارضة إقليمية، ومن بينها مصر، ضمن خلافات البلدين على مسألة سد النهضة الإثيوبي أيضاً، كما كانت منطقة شرق المتوسط ساحة ثالثة للنزاعات الحدودية البحرية، وشهدت ترسيم الحدود البحرية المصرية-اليونانية، والتركية-الليبية، وغيرها من النزاعات. 

بعض الدول استطاعت ترسيم حدودها البحرية، ومنها ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية في أكتوبر 2022م، وكذلك ترسيم لبنان حدوده البحرية مع قبرص في نوفمبر 2025م وفقاً للقانون الدولي، ولكن لا تزال هناك نزاعات تحمل في طياتها تهديدات إقليمية، ومنها حقل الدرة البحري الذي يقع ضمن الحدود البحرية المشتركة بين السعودية والكويت، وتدعي إيران بأن لها حق فيه بحجّة أن جزءه الغني بالغاز الطبيعي يقع ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة، وقد كانت تلك القضية مثار سجال خليجي- إيراني كبير بين مسؤولي الجانبين في بعض المؤتمرات.

تلك مجرد أمثلة ، وواقع الأمر هو أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، وبالرغم من تأخّر إقرارها، فالبحار موجودة منذ قديم الأزل، إلا أن تلك الاتفاقية المفصلة مثلت المرتكز الدولي المهم لمسألة تنظيم الحدود البحرية بين الدول، بل وتوصيفها بدقة بما يتلاءم في الوقت ذاته مع الطبيعة الجغرافية للدول. فقد نصّت تلك الاتفاقية على تقسيم المياه إلى خمسة أنواع، وهي: المياه الداخلية التي تقع ضمن سيادة الدولة كاملة وكذلك البحر الإقليمي الممتد إلى حوالي 12 ميلاً بحرياً؛ والمنطقة المتاخمة الممتدة لمسافة 24 ميلاً بحرياً؛ والمنطقة الاقتصادية الممتدة لغاية 200 ميلٍ بحري. وللدولة حقوق وواجبات في تلك المناطق، تتضمن السماح بمرور سفن الغير فيها بضوابط معينة “حق المرور البريء”، ثم منطقة أعالي البحار، والإبحار فيها حق مُشاع لجميع الدول، ولا تزال تواجه تحدي إلقاء بعض الدول الكبرى للنفايات النووية فيها على سبيل المثال.

لكن ثمة معضلات تواجه تطبيق تلك الاتفاقية. أولاً: الخلافات الحدودية بين الدول ذاتها، ومن ثم تفسيرها الخاص لترسيم حدودها. ومن أمثلة ذلك استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث الواقعة بالقرب من مدخل مضيق هرمز، ومن منظور إيران، فإن ما  يقع بين تلك الجزر والشواطئ الإيرانية هي مياه إقليمية، وبالتالي تزعم أن معظم مضيق هرمز يقع في مياهها الإقليمية. والثاني: الاكتشافات البترولية في بعض مناطق النزاع، ومنها منطقة شرق المتوسط، والتي كانت سبباً في ظهور ترتيبات وشراكات في تلك المنطقة من أجل استغلال تلك الثروة البحرية. والثالث: توصف بعض الدول بأنها بحرية والأخرى بأنها حبيسة، ويظل سعيها للحصول على منفذ بحري هاجساً لديها، وهو ما يؤدي إلى نشوب صراعات قد تفضي إلى حروب، وبموجب تلك الاتفاقية، ليس بإمكانها الحصول على حدود بحرية. والرابع: جدلية التوقيع والتصديق على تلك الاتفاقية، فبعض الدول وقعت على الاتفاقية ولكن سلطاتها لم تصدق عليها، ما يعني عدم الالتزام بأحكامها.

 

في تقديري أن تلك النزاعات والصراعات حول الحدود والمنافذ البحرية تعد تهديداً بالغ الخطورة للأمن الإقليمي، لأن الصراعات في البحار تختلف جذرياً عن اليابسة، وترتكز على قدرات كل دولة على بسط سيطرتها البحرية. لكن لا بد من تسوية تلك الخلافات من خلال اللجان الفنية المعنية بدراسة كل حالة على حدة، انطلاقاً من التاريخ واسترشاداً باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، ورغبةً في الحفاظ على البحار كمصدر للثروة بدلاً من أن تكون ساحة لصراعات ونزاعات قد تكون بدايتها معروفة، ولكن نهايتها تُبقي كافة السيناريوهات قائمة، بما يمثل تهديداً للأمن الإقليمي، خاصةً في ظل ما يترتب على تلك الصراعات من إعادة رسم للمشهد الجيوسياسي الإقليمي. 

د. أشرف محمد كشك، مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

آخر تحديث : 2 مارس 2026