“صنع في الخليج” رسم لسيناريوهات المستقبل للتكامل الصناعي الخليجي

الرئيسية / الدراسات الاستراتيجية والدولية / “صنع في الخليج” رسم لسيناريوهات المستقبل للتكامل الصناعي الخليجي

في مبادرة نوعية تعكس تنامي الاهتمام بتعزيز التكامل الصناعي والاقتصادي الخليجي، أُقيم منتدى ومعرض «صنع في الخليج» خلال الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر 2026م، بتنظيم من مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووزارة الصناعة والتجارة، في مركز البحرين العالمي للمعارض، باستضافة مملكة البحرين ودعم من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

تأتي استضافة المملكة لهذا الحدث في مرحلة مهمة تشهد فيها الصناعة الخليجية تحولات متسارعة، بما يتيح استعراض الإمكانات والقدرات الصناعية التي تمتلكها دول المجلس، وتسليط الضوء على الفرص الاستثمارية المتاحة، وتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بينها، إلى جانب دعم استدامة وتكامل سلاسل الإمداد. كما يمثل المنتدى منصة لإبراز تطور وتنافسية المنتجات الخليجية، ودعم الابتكار والتقنيات الصناعية الحديثة، بما يسهم في تعزيز حضور الصناعات الخليجية في الأسواق الإقليمية والدولية.

تشير بيانات قواعد البيانات الخليجية والدولية إلى حجم لافت للاقتصاد الصناعي في دول مجلس التعاون، سواء من حيث عدد المنشآت والاستثمارات والقوى العاملة أو حجم التجارة. ويبلغ إجمالي المنشآت في دول المجلس نحو 21,969 منشأة، بإجمالي استثمارات تُقدّر بحوالي 426 مليار دولار أمريكي، وقوى عاملة تصل إلى 1.7 مليون عامل، فيما تبلغ قيمة الصادرات نحو 423 مليار دولار أمريكي، مقابل واردات تصل إلى 807 مليارات دولار أمريكي.

تعكس هذه المؤشرات اتساع حضور الاقتصاد الخليجي في عدد من الصناعات العالمية، وفي مقدمتها صناعة الألمنيوم، التي تساهم دول مجلس التعاون فيها بما يتراوح بين 8 و9% من إجمالي الإنتاج العالمي. كما تستحوذ دول مجلس التعاون على نسبة تتراوح بين 13 و15% من إجمالي الإنتاج العالمي في قطاع البتروكيماويات. تمثل الأسمدة ما يصل إلى 5-6% من إجمالي إنتاج المغذيات الزراعية، إلى جانب مساهمة خليجية تقدر بنحو 25% من إنتاج الأمونيا عالميًا، فضلًا عن صناعات ومنتجات أخرى تشمل الأسمنت ومواد البناء والكابلات، والأسلاك والمنتجات الغذائية والسيارات.

في هذا السياق، ناقش المنتدى تسعة محاور رئيسية بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء والقادة في القطاع الصناعي الخليجي، تناولت أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل الصناعة في دول المجلس. وركزت المحاور على أطر التكامل الصناعي الخليجي، وتعزيز القدرة التنافسية، واستراتيجيات وصول المنتجات الخليجية إلى الأسواق العالمية، إلى جانب بناء منظومة أكثر مرونة لسلاسل الإمداد قادرة على التعامل مع التحديات الإقليمية ومواكبة المتغيرات الاقتصادية العالمية.

كما تناولت النقاشات موضوعات التصنيع الأخضر والذكي، وأهمية التمويل الصناعي، وتنمية القوى العاملة، وتطوير البنية التحتية الصناعية، بما يعزز الترابط بين الموانئ والطرق والمناطق الاقتصادية والصناعية. وتبرز هذه المحاور أهمية الاستفادة من نقاط القوة التي تتمتع بها الصناعات الخليجية، والبناء على الأطر القائمة لتطوير القطاع الصناعي بصورة مستدامة وعلى المدى البعيد.

لم تقتصر جلسات المنتدى على استعراض التحديات الراهنة، بل امتدت إلى مناقشة السياسات والآليات الكفيلة بدفع القطاع الصناعي وقطاع الأعمال نحو مزيد من التكامل، إلى جانب استشراف ملامح الاقتصاد الصناعي الخليجي ورسم سيناريوهات مستقبلية تواكب التحولات المتسارعة في الصناعة والتجارة العالمية.

في موازاة ذلك، تتجه الشركات الصناعية الخليجية بصورة متزايدة إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج والاستدامة البيئية والاجتماعية، من خلال توظيف مصادر الطاقة المتجددة في مشاريع الطاقة الشمسية، والاستفادة من التقنيات المتقدمة في عمليات التصنيع لرفع الكفاءة والإنتاجية.

يعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا في مفهوم الصناعة الخليجية، بحيث لم تعد القدرة التنافسية مرتبطة بحجم الإنتاج والأسواق فحسب، بل أصبحت تشمل أيضًا القدرة على تبنّي ممارسات مستدامة وتقنيات حديثة تراعي المتطلبات البيئية. استعرض قادة شركات الصناعة في مملكة البحرين عددًا من هذه التوجهات، مع التركيز على الصناعة الخضراء والتصنيع المستدام باعتبارهما من أبرز المسارات المستقبلية لتعزيز تنافسية القطاع الصناعي.

من هنا، يأتي «صنع في الخليج» بوصفه أكثر من مجرد منتدى ومعرض للمنتجات الصناعية؛ فهو منصة تجمع صنّاع القرار والمستثمرين والخبراء والشركات الخليجية حول رؤية مشتركة لمستقبل الصناعة في المنطقة. فمع تنامي القدرات الصناعية وتنوعها، تبرز أهمية تحويل هذه الإمكانات إلى شراكات ومشاريع تكاملية تعزز سلاسل القيمة الخليجية، وترفع القدرة التنافسية للمنتجات، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الصناعة الخليجية للوصول إلى الأسواق العالمية.

 

علي إبراهيم فقيه، محلل أول، برنامج الدراسات الاقتصادية، مركز (دراسات)

آخر تحديث : 11 أكتوبر 2026